ابني اختفي حكايات صافي هاني
واحد غلبان من بتوع الشوارع ساعدني أغير فردة الكاوتش اللي فرقعت مني على الطريق الصحراوي، نفس الطريق اللي ابني اختفى فيه من 20 سنة.. بس اللي سابهولي على الكرسي اللي جنبي خلاني أنهار وأقع على ركبي من الصدمة.
أنا عندي 50 سنة. ابني حسن اختفى من استراحة على نفس الطريق ده بالظبط سنة 2006، كان عنده وقتها 7 سنين. كنت واقفه بشتريله الحاجه الساقعة اللي بيحبها، لفيت وشي ملقيتهوش، فص ملح وداب.
المباحث فضلت تدور ست أسابيع، بعدين ست شهور، وبعدها الملف دخل الدرج وفضل هناك عشرين سنة.
من بعد السنوية الأولى لغيابه وحلفت ما عتبت الطريق ده تاني، كنت بحس بخنقة ومش قادرة أتنفس وأنا عليه. بس يوم الثلاثاء اللي فات، جهاز تحديد المواقع حدفني عليه غصب عني، وبعدها بـ 20 كيلو بالظبط، فردة الكاوتش الورانية ضربت.
كنت قاعدة على جنب الطريق بعيط، مش عشان الكاوتش خالص، عشان كل الوجع القديم اللي اتفتح.. وفجأة لقيت راجل هدومه مقطعة ومبهدلة خارج لي من بين الشجر. بلطو دايب وإيديه خشنة ومشققة من الشقى. متكلمش كتير، هز رأسه وبدأ يغير الفردة بحرفية وكأنه عملها ألف مرة قبل كده.
لما خلص، مسح إيديه وبص في عيني بأكتر نظرة حزينة شفتها في حياتي.
قال لي بصوت واطي: "خلي بالك من نفسك يا أستاذة نادية".
أنا جسمي سقع والدم اتجمد في عروقي.
أنا مقولتلوش اسمي خالص!
وقبل ما أطق بكلمة، لف ضهره واختفى تاني بين الشجر.
ركبت عربيتي وأنا لسه بترعش.. وهنا كانت الصدمة.
على الكرسي
صورة مطبوعة قديمة وألوانها باهتة من سنة 2006. طفل صغير لابس تيشيرت أحمر وبيضحك للي بيصوره.
ده ابني!
صورة عمري في حياتي ما شفتها قبل كده.
وعلى الحرف الأبيض بتاع الصورة، مكتوب بخط مرعوش ومتهزز.. عنوان.
عنوان مش بعيد، يدوبك 40 كيلو من مكاني.
طلبت مأمور القسم مكالمة فيديو فوراً، نفس الظابط اللي قفل قضية حسن زمان وبقى دلوقتي مدير الأمن. وريته الصورة، وشه اتقلب والدم هرب منه.
ساعتها قال لي جملة خلت ركبي تخبط في بعضها ومعدتي تتقلب:
"يا نادية، أرجوكي.. أياً كان اللي هيحصل، إوعي تروحي للعنوان ده!"
بس كلامه كان جه متأخر..
لأن أنا كنت وصلت خلاص وواقفه قدام المكان.
وأول ما قربت من الباب..
لقيته بيفتح لوحده بصرير يقشعر الجسم من جوه.
وقعت على ركبي من الصدمة.
فتحت عيني ودموعي مغرقة وشي، مش مصدقة اللي شايفاه قدامي..
حسن ابني واقف ورا الباب!
كبر وبقى طول الباب، ملامحه اتغيرت، بس عينيه هي هي نفس العينين اللي غابت عني من عشرين سنة. وشه كان شاحب وتعبان، ولابس لبس بسيط جداً.
بصلي بذهول، شفايفه كانت بترتعش، ونطق كلمة واحدة بقالها سنين محبوسة في قلبي: "أمي؟"
وقفت على رجلي بالعافية، اترميت في حضنه وأنا بصرخ وببكي من الفرحة، كنت بحضنه بكل قوتي وكأني خايفة يهرب مني تاني، وهو كمان كان بيعيط ويشدد من مسكته ليا.
وسط دموعي، لفت انتباهي حركة جوه البيت.. بصيت من فوق كتفه، ولقيت المفاجأة اللي شلت تفكيري تماماً.
جوه الصالة، كان قاعد
كان قاعد وحاطط راسه بين إيديه، وأول ما رفع عينه وشافني، ملامحه اتملت رعب وخوف.. وبصوت مكسور ومرعوب قال: "أنا مكنتش عايزك تعرفي الحقيقة يا نادية.. مكنتش عايزك تعرفي إن ابنك كان عايش طول السنين دي هنا.. بسببي أنا!"
وقفت مذهولة والدم نشف في عروقي، ببص لحسن وببص لمدير الأمن ومش قادرة أستوعب.. "بسببك أنت يعني إيه؟! أنت بتقول إيه يا سيادة اللواء؟!"
مدير الأمن وقف على رجله وهو حاطط عينه في الأرض من الكسوف والخزي، وصوته كان بيترعش وهو بيقول: "سنة 2006.. لما حسن اختفى من الاستراحة.. اللي خطفه كان ابني أنا! ابني المستهتر كان سايق وهو مش في وعيه وخبط حسن على الطريق.. خاف من الفضيحة والمستقبل اللي هيضيع، وبدل ما ينقله المستشفى، خده في عربيتة وهرب!"
صرخت في وشه وعيوني بتطق شرار: "يعني ابني مات؟! أنت بتقول إيه.. أمال مين اللي واقف قدامي ده؟!"
حسن مسك إيدي يطمني وقال بصوت مخنوق بالدموع: "لا يا أمي.. أنا عايش.. ربنا نجاني. ابن اللواء لما لقاني لسه بتنفس وخاف يوديني مستشفى عام، جابني هنا للراجل الغلبان اللي كان عايش في البيت ده، واداله فلوس كتير عشان يعالجني في السر ويخبيني عنده.. والراجل ده، هو نفسه الراجل الطيب اللي غيرلك الكاوتش النهاردة!"
مدير الأمن كمل وكأنه بيطلع الروح: "لما عرفت باللي ابني عمله، كان الوقت فات.. خفت على اسمي وعلى عيلتي، وبدل ما أصلح الغلط،
بصيت لحسن، وبصيت للسما وقلت: "الحمد لله.. يمهل ولا يهمل"، وحضنت ابني تاني وأنا مقررة إن حق العشرين سنة اللي ضاعوا من عمرنا مش هسيبه، والعدالة هتاخد مجراها مهما كان الثمن.
مدير الأمن نزل راسه في الأرض، والدموع نزلت من عينيه، وطلع الكلبشات من جيبه وحطها قدامي على الترابيزة وقال بصوت مكسور: "أنا مستعد لأي عقاب يا نادية.. أنا اللي سلمت نفسي وجيت قعدت هنا مستنيكي عشان عارف إن الراجل الطيب مش هيسكت.. أنا هقدم استقالتي الصبح وهسلم ابني وهعترف بكل حاجة.. بس ارجعي لحضن ابنك وسامحيني".
بصيت للكلبشات، وبعدين بصيت لحسن اللي كان واقف بيترعش ودموعه نازلة.. مسكت إيد ابني وجرينا بره البيت ده، مكنتش قادرة أقعد في مكان فيه خيانة وظلم، كنت عايزة بس أبعد وأشم الهوا مع ابني اللي اتحرمت منه 20 سنة.
ركبنا العربية، وحسن قعد جنبي في الكرسي اللي كان عليه الصورة.. طول الطريق وأنا ماسكة إيده ومش مصدقة، ببص لملامحه وأفتكر شكله وهو عنده 7 سنين وهو بيجري ورايا ويضحك.. سبحان الله، ربنا وكسرته الكبيرة، دايماً بيجيب الحق ولو بعد حين.
أول ما وصلنا بيتنا، جيراننا وأهل منطقتنا لما شافوا