ابني اختفي حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

 الزغاريد ملأت المكان، والناس كلها كانت بتكبر وتتحسبن على اللي ظلمنا، والكل كان بيبكي من الفرحة.. "الغايب رجع يا نادية! ربنا استجاب لدعاكي في جوف الليل!"
​دخلت حسن شقتي، وبخرت البيت وأنا بحمد ربنا وبشكره وسجدت سجدة شكر طويلة على أرض الصالة.. العشرين سنة اللي فاتوا من عمري في عذاب وتعب، ربنا عوضني عنهم في لحظة واحدة لما شفت ابني قدام عيني عايش وبيصلي جنبي.
​الموضوع مخلصش هنا.. المحاكمة بدأت، والقضية بقت رأي عام، ومدير الأمن وابنه خادوا جزاءهم والعدالة أخدت مجراها بالملي.. بس أنا مكنش يهمني كل ده، أنا كان كل همي إن حسن رجع لحضني، وبدأنا سوا صفحة جديدة، بنعوض فيها كل يوم وكل ثانية ضاعت مننا، وعرفت فعلاً إن حق المظلوم مش بيموت، وإن ربنا دايماً مع الصابرين.

مرت الأيام، وحسن بدأ يتعود على حياته الجديدة معايا. في الأول كان مكسوف ومتلخبط، ومش واخد على جدران البيت ولا على حنان الأم اللي انحرم منه طول سنين عمره، بس بالصبر والحب والدعاء، بدأ يدوب الثلج اللي جوه قلبه، ورجعت ضحكته تنور البيت من تاني.
​وفي يوم، وأنا بروق الأوضة بتاعته، لقيت في جيب الجاكيت بتاعه ورقة صغيرة مطبقة. فتحتها ولقيتها رسالة بخط إيد الراجل الطيب اللي غيرلي الكاوتش على الطريق. كان كاتب فيها كلام يقطع القلب:
​"يا ست نادية، أنا عارف إنك هتوصللي لحسن في الآخر. أنا مكنتش خاطف، أنا كنت سجان لنفسي معاه. فضلت طول السنين دي برعاه كأنه حتة مني، وعلمته الأصول والدين وأكل العيش الحلال، وكنت دايماً بحكيله عنك وعن طيبتك

عشان يفضل فاكرك. سامحيني إني مكنتش شجاع كفاية من الأول، بس المرض بينهش في جسمي، ومكنتش هقدر أقابل ربنا وأنا شايل ذنب حرمان أم من ابنها. ادعيلي بالرحمة."
​دموعي نزلت، وعرفنا بعدها بأيام إن الراجل ده اتوفى في المستشفى. رغم كل اللي حصل، حسن أصر إننا نروح جنازته ونقف في عزاه، ورحنا فعلاً، لأن لولا ربنا ثم الراجل ده، مكنتش هشوف ابني تاني، وهو اللي ربى حسن وعلمه يخاف ربنا ويصلي، ومخليهوش يطلع حاقد على الدنيا.
​دلوقتي، وأنا قاعدة في البلكونة وحسن قاعد جنبي بيشرب معايا الشاي وبيحكيلي عن طموحه وإنه عايز يفتح مشروع صغير ويعوضني عن كل شقايا، بصيت للسما وابتسمت.
​الطريق الصحراوي اللي كنت بخاف منه وبكرهه، بقى هو الطريق اللي رجعلي روحي. وعرفت إن تدبير ربنا دايماً أحسن من تدبيرنا، وإن الوجع مهما طال، نهايته دايماً جبر وفرحة كبيرة من عند الكريم.. والحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه.
وبعد كام شهر، المشروع اللي حسن كان بيحلم بيه بقى حقيقة.. ربنا فتحها عليه وفتحنا محل صغير في منطقتنا، والناس كلها كانت بتجيله مخصوص عشان تبارك وتشتري منه، حباً فيه وفي قصتنا اللي كانت على كل لسان.
​وفي ليلة جمعة، وإحنا قاعدين في الصالة بعد ما صلينا العشا، حسن بصلي وقال لي بصوت كله حنان: "أمي.. أنا طول السنين اللي فاتت دي كنت دايماً بحلم باللحظة اللي هعملك فيها حاجة تفرح قلبك بجد.. أنا قدمتلك على عمرة، وجهزت كل حاجة عشان نروح سوا بيت ربنا ونشكره هناك وش لوش".
​الكلمة نزلت على قلبي زي المطر.. بكينا إحنا الاثنين،
بس المرة دي كانت دموع فرحة صافية مفيهاش أي وجع.
​ولما سافرنا ووقفت قدام الكعبة، وأنا ماسكة في إيد حسن ابني، وبحمد ربنا على جبره الخاطر وعلى العدالة اللي نصرتنا في الدنيا.. حسيت إن كل هموم العشرين سنة اللي فاتوا اتمسحت في لحظة، وكأن عمري الحقيقي لسه بادئ النهاردة.
​خرجنا من المحنة دي وإحنا أقوى، مفيش في قلوبنا غل ولا كره لأي حد، سايبين كل واحد لعدالة ربنا اللي مابتظلمش حد.. ورجعنا بيتنا وإحنا عايشين في رضا وسلام، وبقيت كل ما أبص لوش حسن وهو نايم في أمان، أقول في بالي: "سبحانك يا رب.. يمهل ولا يهمل، وعوضك دايماً بيمحي كل تعب الصبر".

ومرت السنين، وحسن اتجوز وبقى عنده طفل صغير، سماه على اسم الراجل الطيب اللي صانه ورباه زمان.
​بقى البيت اللي كان ضلمة وفاضي، مليان بحس عياله الصغيرين، وصوت ضحكهم بيملى الدنيا عليا. حسن بقى راجل محترم، كل الناس في المنطقة بتحلف بأدبه وأمانته، وبيتقى الله في بيته وفي أكل عيشه.
​كل يوم تلات، وهو راجع من شغله، متعود يدخل عليا ويبوس إيدي وراسي ويقولي: "ادعيلي يا أمي، أنا عايش برضاكي وبركتك بعد ربنا".
​أما الطريق الصحراوي اللي كان زمان بيفكرني بالوجع والخوف، بقيت كل ما نعدي عليه وإحنا مسافرين سوا، أبص من شباك العربية وأبتسم.. مبقتش شايفه طريق الفراق، بقيت شايفه الطريق اللي ربنا جعل فيه سبب عشان يختبر صبري، ويرجعلي فيه قطة من روحي.
​الحكاية خلصت، بس الحياة لسه مكمله، وكل يوم بيعدي علينا بنفتكر فيه إن المحنة لما بتشتد، بيبقى وراها منحة ربانية كبيرة.. وإن

اللي بيسيب حموله على الله، عمره ما بيخيب.

وفي يوم من الأيام، والحياة ماشية هادية وجميلة، حسن دخل عليا البيت وهو شايل في إيده علبة قطيفة شكلها شيك جداً. قعد جنبي على الكنبة، وباس إيدي وقال لي وعينيه بتلمع بفخر: "يا أمي، المحل الصغير اللي بدأنا بيه، ربنا كرمنا وفتحنا الفرع التاني النهاردة.. والعلبة دي فيها أول مكسب حقيقي من التوسع الجديد ده، ومفيش حد أولى بيه منك".
​فتحت العلبة، ولقيت فيها غويشة دهب رقيقة وسلسلة مكتوب عليها كلمة "أمي". دقات قلبي سارعت، والدموع سبقتني تاني، بس المرة دي كانت دموع فخر وسعادة بالراجل اللي بقى سندي في الدنيا، الراجل اللي طلع من وسط المحنة والظلم بقلب نضيف ومبيعرفش غير الأصول والجدعنة.
​لبست السلسلة وأنا بدعيله من كل قلبي: "ربنا يفتحها عليك ويرزقك بر أولادك ليك، زي ما بريتني وعوضتني عن كل سنين الشقى".
​حسن بصلها وابتسم وقال: "عارفة يا أمي؟ أنا اتعلمت من كل اللي عشته إن الدنيا دي دايرة، والخير اللي بنعمله بيتلفت ويرجعلنا. الراجل الطيب اللي صانني، والظلم اللي اتقلب لعدالة، وصبرك أنتِ اللي هز أبواب السما.. كل ده خلاني واثق إن الواحد طول ما هو ماشي بيتقي الله، مفيش حاجة في الدنيا تقدر تكسره".
​وبقينا عايشين على الحال ده، يوم ورا يوم، نكبر سوا، ونربي الصغيرين على الرضا وحمد ربنا في السراء والضراء. الحكاية اللي بدأت بدموع وخوف على طريق مقطوع، انتهت ببيت دافي مليان بذكر الله، وعيلة متجمعة على المحبة، ويقين تامل مبيتهزش.. إن ربنا سبحانه وتعالى كريم، وعوضه

دايماً بيفوق كل التوقعات.

تم نسخ الرابط