ضربني بالقلم حكايات صافي هاني
الست لما بتقرر تاخد حقها، بتعرف تاخده تالت ومتلت.
عمر خبط على الترابيزة وقال بحماس
وهو ده الكلام! من بكرة يا ليلى، ترجعي لشركتك ومكتبك، وتمسكي الشغل من تاني. إحنا صلحنا كل العك اللي الواد ده عمله في الحسابات، والعملاء الكبار كلهم عرفوا إنك رجعتي لخطوط الإدارة.
جلال قفل تليفونه وبصلي وضحك
المحامي لسه بعتلي رسالة.. قضية الخلع اتقبلت في ثواني، والقاضي لما شاف فيديو الصفعة، حكم بالطلاق للضرر فوراً مع الاحتفاظ بكل حقوقك. مراد دلوقتي رسميًا.. طليقك، ومحبوس، وشحات.
بصيت لإخواتي التلاتة، السند الحقيقي اللي في ظهري، وحمدت ربنا إنهم معايا. شلت كوباية الشاي، ورفعتها لفوق وأنا ببتسم من كل قلبي
في داهية مراد.. وفي داهية الأيام اللي ضاعت معاه. في صحة الحرية يا رجالة.
رأفت وجلال وعمر رفعوا كوباياتهم وخبطوها في كوبايتي وهم بيضحكوا، والصوت رن في القهوة معلنًا نهاية الكابوس، وبداية حياة جديدة كلها قوة وأمل.
قضينا اليوم كله مع بعض، وكأننا بنعوض كل دقيقة غبتها عنهم في السنتين السود اللي فاتوا. رجعت مع رأفت على بيت عيلتنا القديم، البيت اللي كبرنا فيه وشهد على لمتنا قبل ما همومي تاخدني بعيد. دخلت أوضتي القديمة، لقيتها زي ما هي، ريحة أمي الله يرحمها لسه في كل ركن، والسرير مريح ونضيف وكأنهم كانوا مستنيين رجوعي في أي لحظة.
رميت نفسي على السرير ونمت نوم عميق، نوم أول مرة أدوقه من يوم ما دخلت بيت مراد. لا فيه قلق من خيانة، ولا خوف من خناقة، ولا ترقب لقلم جديد ينزل على وشي.
صحيت تاني يوم الصبح على صوت العصافير وخبط خفيف على الباب. كانت الشغالة القديمة بتاعتنا، داخلة وبإيدها صينية قهوة مظبوطة وحتة شوكولاتة من اللي بحبها.
حمد الله على سلامتك يا ست البنات.. البيت نور بأصحابه.
ابتسمت لها وقلت الله يسلمك يا دادة.. البيت منور بيكم.
قمت غسلت وشي، وبصيت في المراية. الورم اللي في شفتي كان بدأ يهدى، والزرقان اللي حواليها بقى خفيف، بس عيني كانت بتلمع بقوة مكنتش موجودة من يومين بس. لبست بدلة الشغل الكحلي بتاعتي، ولميت شعري لفوق، وحطيت روج
نزلت الطابق الأرضي، لقيت رأفت وجلال وعمر قاعدين بيفطروا وبيتكلموا في الشغل. أول ما شافوني، التلاتة وقفوا.
جلال صفر وقال إيه الحلاوة دي؟ هي دي ليلى السيوفي، رئيسة مجلس الإدارة اللي بتهز السوق.
رأفت قرب مني وطبع بوسة على جبهتي جاهزة يا بطلة؟ عربيتك وسواقك مستنيينك تحت، وجلال وعمر هيتحركوا معاكي لحد باب الشركة، عشان الكل يفهم إن السيوفية رجعوا مكانهم.
هزيت راسي بثقة جاهزة وجداً كمان.
وصلنا الشركة، وأول ما دخلت من الباب الرئيسي، الموظفين كلهم وقفوا يسقفوا. الخبر كان مالي المواقع من الصبح؛ فضيحة مراد وإفلاسه وقبضه عليه، ورجوعي أنا لإدارة الشغل بالكامل. البنت السكرتيرة بتاعتي كانت بتعيط من الفرحة وهي بتقدم لي ملفات الشغل الجديدة.
دخلت مكتبي، وقعدت على الكرسي بتاعي، الكرسي اللي مراد حاول يسرقه مني. فتحت اللاب توب وبصيت على أول صفقة معروضة عليا، صفقة كانت ه تضيع لولا إني لحقت المركب قبل ما تغرق.
تليفوني رن، وكان المحامي.
صباح الخير يا فندم. حبيت أبلغك إن النيابة قررت تجديد حبس مراد ١٥ يوم على ذمة التحقيق، وأمه طردوها من الشقة المفروشة اللي أجروها امبارح لأن الشيكات بتاعتها طلعت من غير رصيد. هما حرفياً في الشارع دلوقتي.
سكت ثانية، وحسيت بنغزة صغيرة، بس افتكرت شكل الدم وهو نازل من شفتي، وافتكرت لؤم أمه وهي بتقولي ابني انتشلك من مفيش.
قلت للمحامي بصوت جامد القانون ياخد مجراه يا متر.. وكل مليم اتسرق يرجع، مش هتنازل عن قرش واحد.
قفلت السكة، وبصيت من شباك مكتبي الإزاز على النيل والبلد وهي بتتحرك تحت رجلي. أنا مشيت في طريق ضلمة، واتحملت كتير، بس خرجت منه واقفة على رجلي، وأقوى من الأول بمراحل.
مسكت القلم، وبمضا واحدة ثابتة، بدأت صفحة جديدة في حياتي.. صفحة مفيهاش مكان للضعف.
مرت الأيام والأسابيع، وكل حاجة بدأت تاخد مكانها الطبيعي. الشغل في الشركة رجع يشتغل زي الساعة، واسم عائلة السيوفي رجع يهز السوق من تاني بعد ما كان مراد هيبهدله بقماره ونصبه.
في يوم، وأنا قاعدة في مكتبي براجع ميزانية الربع السنوي الجديدة، دخل عليا المحامي بتاعي وهو شايل في إيده دوسيه أسود، وحطه على المكتب وقدامه ابتسامة هادية.
قعد وقال مبروك يا ليلى هانم.. حكم الخلع بقى نهائي وبات، والنهاردة استلمنا الصيغة التنفيذية. يعني من اللحظة دي، مفيش أي رابط قانوني يربطك بالبني آدم ده.
أخدت الدوسيه، فتحته وبصيت على الورق.. خلع للضرر. الكلمتين دول كانوا كافيين يخلو النفس يرجع لصدري من غير غصة.
سألته ببرود ومراد؟ أخباره إيه في قضية النصب والتزوير؟
المحامي عدل نظارته وقال لبس ليلة عمره.. المحكمة حكمت عليه امبارح بسبع سنين سجن مشدد مع الشغل والنفاذ، وغرامة تعويضية هتاخد الأخضر واليابس من اللي فاضل معاه. وأمه لفت على كل معارفهم القدام عشان حد أو يسلفها تمن أتعاب محامي كبير، بس كله قفل الباب في وشها. السوق كله عرف إن اللي هيقرب من مراد أو أمه، هيبقى بيعادي الشياطين الحمر.. إخواتك.
قفلت الدوسيه وابتسمت تمام.. كدة الحساب قفل، والصفحة دي اتقطعت من كتاب حياتي وترمت في الزبالة.
بعد ما المحامي مشي، وقفت عند الشباك الإزاز الكبير وبصيت على زحمة القاهرة والشمس اللي بتعكس نورها على النيل. تليفوني رن، وكان رأفت.
أيوا يا ليلى.. خلصتي الشغل اللي في إيدك؟
قلتله براحة وسعادة خلصت كل حاجة يا أبكار.. الشغل والماضي كمان.
رأفت ضحك صوته القوي وقال عفارم عليكي.. جلال وعمر مستنيينا في المطبخ تحت في بيتنا القديم. جلال قالب الدنيا وعامل نفسه شيف، وعمر جايب لحمة حمرا وعايزين نعمل لمتنا زي زمان. اخلصي وتعالي.. العيلة مستنياكي.
قفلت التليفون، ولميت حاجتي في الشنطة، وخرجت من المكتب وأنا ماشية بخطوات ثابتة، واثقة، والأرض شيلاني. الجرح اللي في شفتي خف ومبقاش ليه أثر، بس الأثر الحقيقي كان جوة قلبي.. بقيت أقوى، وأذكى، وعرفت إن الست اللي وراها ظهر يحميها، وعقل يشغلها، ما تكسرهاش مية صفعة.
ركبت عربيتي وتحركت في وسط شوارع القاهرة، والدنيا كانت زحمة كالعادة، بس الزحمة دي مكنتش بتخنقني زي زمان، بالعكس، كنت حاسة إني جزء من
دخلت المطبخ لقيت جلال لابس مريلة مطبخ لونها أحمر وواقف بيقلب في حلة محشي ورق عنب، وعمر قاعد على الرخامة وبياكل صوابع كفتة لسه طالعة من الفرن، ورأفت واقف بعيد وبيتفرج عليهم وهو بيشرب قهوته ومبتسم.
جلال أول ما شافني زعق بهزار أهلاً برئيسة مجلس الإدارة! اتفضلي اغسلي إيدك وتعالي لفي معانا، الشغل في السوق مش هيخليكي تزوقي من محشي أخوكي.
ضحكت ورميت شنطتي برة ودخلت وقفت وسطهم. في اللحظة دي، وأنا شيفاهم حواليا، حسيت إن ده المكان الصح اللي كان المفروض أكون فيه من زمان. الأمان مش راجل بنسلمله حياتنا عشان يستقوى علينا، الأمان هو العيلة اللي وقت ما نقع، نلاقيهم بيشيلونا ويعلمونا إزاي نقف على رجلنا تاني وأقوى من الأول.
قعدنا كلنا على السفرة الكبيرة، السفرة اللي شهدت على طفولتنا وأحلامنا. وبدأنا ناكل ونضحك، ونتكلم في صفقات الشغل الجديدة، وفي خططنا لتوسيع الشركة برة مصر كمان. مكنش فيه سيرة لمراد ولا لأمه، وكأنهم كانوا مجرد حلم بايخ وصحينا منه.
وأنا باكل، جالي إشعار على التليفون، رسالة من رقم مجهول. فتحتها، كانت من ناهد، أم مراد. الرسالة كانت كلها استعطاف وكلام مكسور يا بنتي ارحمي عزيز قوم ذل، مراد بيموت في السجن وأنا مش لاقية آكل، اتنزلي عن القضايا وخدي اللي أنتِ عايزاه.
بصيت للرسالة لثواني. لو كان الكلام ده من سنة، يمكن كان قلبي حن وعيطت. بس النهاردة، أنا شخصية تانية خالص. مسحت الرسالة وعملت للرقم بلوك في هدوء تام، وحطيت التليفون على الترابيزة ووشه لتحت.
رأفت لاحظني، بصلي ورفع حاجبه وسألني من غير ما يتكلم في حاجة؟
هزيت راسي بابتسامة صافية وقلتله أبدًا يا أبكار.. دي رسالة سبام مزعجة وتمسحت. كمل أكلك.. المحشي بتاع جلال النهاردة ملوش حل.
جلال رفع صباع محشي وقال بفخر طبعاً.. هو أنا أي حد؟
ضحكنا كلنا، والصوت ملى البيت القديم دفا وأمان. في اللحظة دي عرفت إن حكايتي مع الوجع انتهت، وبدأت حكايتي مع النجاح، حكاية ليلى