جحود مرات الابن حكايات صافي هاني
مراتي ابني كلمتني عشان تقولي إن ابني مات، وإن مش هيطلعلي مليم واحد من وراه. أنا بس ابتسمت، لأن في نفس اللحظة دي، ابني كان قاعد جنبي بالظبطحي، بيتنفس، وسامع كل كلمة. رشا كانت بتتكلم بنبرة الأرملة الحزينة المكسورة. حازم ضغط على إيدي من تحت التربيزة. ولما قالت هو خلاص مش هيقف في طريقنا تاني، عرفت إن الفخ اللي كان هيموته خلاص قفل عليها هي.
يا طنط هدى، رشا تنهدت في التليفون. عندي ليكي خبر صعب أوي.
بصيت لابني. وشه كان مخطوف. صدره ملفوف بالشاش. ضلع مكسور. وكدمة زرقا غامقة على فكه. بس عايش. عايش أكتر من أي وقت فات.
في إيه؟ إيه اللي حصل؟ سألتها، وكنت بمثّل إن صوتي بيترعش.
رشا بدأت تعيط وتشهق. كانت بتعيط بحرفية أوي. زي ممثلة في جنازة ناس أكابر. حازم اتوفى الصبح يا طنط. أزمة قلبية مفاجئة. الدكاترة ماعرفوش يعملوا له حاجة.
ابني غمض عينيه. مش من الوجع. من الغل والقهر. من يومين بس، جالي على بيتي اللي في أطراف المحلة، حافي، هدومه كلها مبلولة وغرقانة دم، وما قالش غير جملة واحدة أمي، رشا كانت عايزة تموتني.
أنا كنت هقع من طولي لما شفته. حازم حبيبي. ابني الوحيد. الراجل اللي الناس كلها كانت فاكرة إنه عايش عيشة فل في الزمالك مراته شيك، وبيشتغلوا في بيزنس العيلة، وعايشين في شقة تطل على النيل، وصورهم كلها ضحك وفسح وعزومات غالية.
كل ده كان كدب.
حياته الجنة دي كانت قفص من زجاج. رشا كانت مسيطرة على تليفوناته. حساباته. مقابلاته. حتى مواعيد دواه. ولما حازم بدأ يكتشف تحويلات غريبة، وبوالص تأمين جديدة، وورق متمضي باسمه، اتحولت من القطة المغْمضة للسم الهاري.
حطت لي حاجة في الشاي، قال لي الليلة دي. وبعدها سمعت
بس حازم مماتش. عم صابر، سواق قديم في الشركة، هربه من تحت إيديهم قبل ما يخلصوا عليه. ودلوقتي، رشا بتكلمني عشان تدفنه للمرة التانية.
آه يا طنط هدى، كملت كلامها. أنا عارفة إن الصدمة شديدة، بس في حاجة لازم تفهميها.
قولي يا حبيبتي. كلمة حبيبتي دي كانت زي الرماد في بوقي.
نبرة رشا اتغيرت. العياط خف خالص. حازم كان مرتب كل حاجة قبل ما يموت. البيت، الأسهم، الحسابات... كل حاجة باسمي ومكتوبة لي. يعني مالكيش حق في أي حاجة.
هي دي. ما كانتش بتكلمني عشان بتعزيني. كانت بتكلمني عشان الفلوس.
ابني فتح عينيه. فتحت الإسباكر بتاع التليفون. رشا ما كانتش تعرف إن جوزها الميت سامعها.
أنا مش عايزة مشاكل يا بنتي، قلت لها بصوت واطي. أنا بس عايزة أودع ابني الوداع الأخير.
حصل سكات قصير وثقيل. مش هينفع.
يعني إيه مش هينفع؟
الجثة هتتدفن وتتصرح بالدفن النهاردة بسرعة، إكرام الميت دفنه، ودي كانت رغبته.
حازم جز على سنانه. يتدفن بسرعة ومن غير شوشرة. طبعاً. مفيش جثة يعني مفيش كدمات. مفيش جثة يعني مفيش تحليل سموم. مفيش جثة يعني مفيش أسئلة وجيم وسين.
بس أنا أمه، قلت لها.
رشا تنهدت بزهق. عشان كده بالظبط بقولك خلي عندك دم، بلاش فضايل ومشاكل. حازم خلاص مات، وربنا يسامحه بقى، إنتي طول عمرك كنتي حمل ثقيل عليه.
حمل ثقيل. أنا! أنا اللي كنت ببيع حواوشي وفطير على المحطة عشان أدفع له مصاريف كليته. أنا اللي رهنت غوايشي ودهب جوازي لما أول مشروع ليه خسر. أنا اللي مضيت ضامنة ليه في البنك عشان يبني الشركة اللي رشا عايزة تسرقها دلوقتي.
بصيت لابني. لقيت دموعه نازلة. مش على نفسه. عليا أنا.
ماشي يا
رشا افتكرت إنها كسرتني. كانت غلطانة. أنا مكسورة من يوم ما ابني جالي على بابي مضروب ومتبهدل. دلوقتي مفيش غير الوش التاني.
وعلى فكرة، زودت كلامها، بكرة المحامي بتاعي هيعدي عليكي عشان ياخد شوية ورق حازم كان سايبهم عندك.
ابتسمت. هنا بقى الخوف الحقيقي. الورق. الملف الرمادي اللي حازم بعتهولي من شهر ومعاه ورقة صغيرة أمي، لو جرا لي أي حاجة، الورق ده ما يقعش في إيد رشا.
جوه الملف ده كان فيه كشوف حسابات بنكية، بوالص تأمين، تسجيلات صوتية، نسخة من وصية قديمة، وصور لإمضا مزورة. وكان فيه حاجة أوحش من كل ده. فلاشة فيديو. بس إحنا لسه ما فتحناهاش.
ورق إيه؟ سألتها بجهل.
رشا نَفسها بقى عالي وسريع. بلاش استهبال يا طنط. إنتي عارفة كويس. حازم كان عاطفي أوي وبيشيل كراكيب وورق مالوش لزمة عندك.
كراكيب. دي التسمية اللي سمت بيها الأدلة.
هتدور عليه، قلت لها.
وما تتبعبشيش فيه كتير. المحامي هيستلم كل حاجة.
حاضر.
وحاجة أخيرة. صوتها بقى ناشف وساقع. صوتها الحقيقي. بلاش تيجي القاهرة. وبلاش تسألي في مستشفيات. ولا تتكلمي مع موظفين الشركة. ولا تكلمي صحافة. إنتي كبرتي يا طنط هدى، وفي سنك ده، أي زعل أو خضة ممكن توديكي في داهية.
تهديد عيني عينك. ابني كان عايز يتكلم. حطيت إيدي على بوقه وكتمت صوته.
كتر خيرك إنك عرفتيني يا رشا.
ارتاحي بقى، قالتها. على الأقل حازم ارتاح أخيراً.
قفلت السكة. المطبخ بقى هسس. برا في الشارع، بياع العيش كان بينادي بصوته السرحان. المروحة القديمة كانت بتقلّب الهواء السخن. ابني نزل راسه بين إيديه المتغلفة بالشاش.
أمي...
ولا كلمة.
قمت من مكاني. فتحت الدرج اللي بشيل فيه مفارش السفرة
حازم بحلق فيها. إيه ده؟
ده اللي أبوك سابهولي قبل ما يموت.
جوزي، مصطفى الله يرحمه، عمره ما ارتاح لرشا. كان دايماً يقول البنت دي بتضحك بسنانها، بس بتعض بعينيها. قبل ما تجيله الأزمة ويموت بثلاث أسابيع، أداني الفلاشة دي وقال لي يا هدى، لو حازم فاق متأخر في يوم من الأيام، دي اللي ممكن تنجده.
عمرى ما فتحتها. خوفاً. حباً. وعشان كنت شايفة إن الأم ما ينفعش تحشر نفسها بين الراجل ومراته. يا ليتني ما عملت كده.
وصلنا الفلاشة باللاب توب القديم. كان فيه فولدر واحد بس. اسمه رشا.
جواه فيديوهات كتير. الأولاني كان من مكتب حازم. رشا داخلة بالليل هي وأخوها. كانوا بيفحتوا في الأدراج. بيطلعوا ورق. وبيضحكوا.
الفيديو التاني كان بيوري المحامي بتاعها وهو بيحط ورق تحت إيد حازم ويمضيه وهو غايب عن الوعي ومتبنج. بس الفيديو الثالث... الثالث ده خلانا مش عارفين ناخد نفسنا.
رشا كانت في مطبخ شقتهم. بتتكلم في التليفون. كانت فاكرة إنها لوحدها. وقالت بالنص لما حازم يموت، أمه مش هتبقى مشكلة. الست الكركوبة دي ما تعرفش أصلاً إن الشركة لسه مكتوبة باسمها هي!
ابني بص لي وهو مذهول. إيه؟
أنا كمان ما كنتش فاهمة. أو ما كنتش عايزة أفهم.
في اللحظة دي، الباب اتخبط. ثلاث خبطات ورا بعض وناشفين. عم صابر دخل، منزل كابيتة على عينيه، عرقان، وفي إيده ظرف ورق كبير.
يا ست هدى، قال وصوته بيرتعش. أنا جاي من المستشفى الاستثماري.
حازم وقف على قد ما قدر وهو سانَد على التربيزة. في إيه اللي حصل؟
عم صابر حط الظرف على التربيزة. رشا