جحود مرات الابن حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

يا حبيبتي؟ مش قلتلك السفر غلط عليكي؟
وقفت قدامها، طولي كان أطول من طولها بكتير الليلة دي. بصيت لها في عينها وقلت لها ببرود يوجع جيت أدفن ابني يا رشا.. وجيت أجيبلك الورق اللي كنتي عايزاه.
المحامي بتاعها قرب وعينه لمعت بالجشع أهلاً يا مدام هدى، البقاء لله. فين الملف الرمادي؟ عشان نخلص الإجراءات وحضرتك ترتاحي.
الملف معايا يا متر.. ومعايا كمان حاجة تانية هتعجبكم أوي، طلعت الفلاشة من جيب عبايتي ورفعتها قدام عينيهم. معايا فيديو ورشا واقفة في المطبخ وبتقول إن الشركة لسه باسمي.. ومعايا صور لإمضا حازم المتزورة.. ومعايا جثة جوه المشرحة إنتوا دافعين للدكتور عشان تتدفن بسرعة من غير تشريح.
وش رشا قلب ألوان، وبدأت تترعش بس حاولت تكابر وتعلّي صوتها إنتي اتجننتي يا ست إنتي؟ ورق إيه وجثة إيه؟ حازم مات بأزمة قلبية وده قضاء وقدر! اطلعي برا وإلا هجيبلك الأمن يرموكي في الشارع!
المحامي بتاعها مسك دراعها يحاول يهديها وقال لي بنبرة تهديد يا مدام هدى، بلاش شوشرة، إنتي ست كبيرة وممكن اتهام زي ده يوديكي في حتة مش هتعجبك، احترمي حرمة الميت.
في اللحظة دي، صوت قوي رن في الممر من ورايا ومين بقى الميت يا متر؟
رشا والمحامي لفوا، وأنا لفيت معاهم. أستاذ رأفت كان داخل ومعاه ثنائى من رجال المباحث بملابس مدنية، ووراهم عم صابر والدكتور قريبه اللي كشف الملعوب.
الظابط قرب وطلع كارنيهه المقدم أحمد من مباحث الأموال العامة والنفس. عندنا بلاغ بتزوير، وقتل عمد، وتبديل جثامين. وبص للمحامي ورشا اللي ركبهم كانت بتخبط في بعضها محدش يتحرك من مكانه، والمشرحة دي مقفولة بأمر النيابة لحد ما الطب الشرعي يوصل ويعاين الجثة اللي جوه ونعرف دي جثة حازم مصطفى.. ولا جثة طارق الشناوي!
رشا أول ما سمعت اسم أخوها طارق، صرخت صرخة مكتومة ووقعت على الأرض من طولها، والمحامي بتاعها رفع إيديه وهو بيترعش ويقول أنا ماليش دعوة يا فندم! هي اللي خططت لكل حاجة! هي اللي سممت أخوها لما اختلفوا على تقسيم الفلوس وقررت تلبسها لجوزها!
بصيت لها وهي مرمية في الأرض زي الفراخ المذبوحة، وقلت لها وأنا ببتسم حازم بيسلم عليكي يا رشا.. وبيقولك إكرام الميت.. السجن المؤبد.
الظابط شاور للعساكر
كلبشوا المتر والمدام، وخدوهم على البوكس بره.
المحامي كان بيبكي زي النسوان ويقول أنا كنت بنفذ كلامها بس يا فندم! هي اللي قالت طارق طمع وعايز نصيب الأسد ومبقاش منه أمان!، ورشا كانت باصة للأرض ووشها خشب، مفيش في عينها غير غل وندم وهي بتتسحل على بلاط المستشفى وسط نظرات الممرضين والدكاترة اللي اتلموا على الصوت.
أستاذ رأفت قرب عليا وطبطب على كتفي الحمد لله يا ست هدى، حق حازم رجع والشركة وأمواله كلها في أمان تحت اسمك، بس قوليلي.. حازم فين دلوقتي؟
بصيت له وابتسمت والدموع في عيني حازم في الحفظ والصون يا أستاذ رأفت، مستني مكالمة مني عشان يعرف إن الكابوس انتهى.
رجعت مع عم صابر في العربية، والفجر كان بيشقشق ونوره بيملى طريق المحلة. وصلت البيت والشمس كانت طلعت، فتحت الباب لقيت حازم قاعد على أعصابه، أول ما شافني واقفة على رجلي وببتسم، قام وقف وجري عليا خدني وهو بيبكي من قلبه.
خلاص يا قلب أمك، قلتها وأنا بطبطب على ضهره وبمسح دموعه، العدالة خدت مجراها، ورشا والمحامي بتوعها في التخشيبة دلوقتي، وربنا كشف ملعوبهم ووقّعهم في شر أعمالهم.
حازم رفع راسه وبص للسما وقال الحمد لله.. الحمد لله يا رب.. أنا اتكتب لي عمر جديد يا أمي.
قعدنا في المطبخ، وفتحت الشباك عشان يدخل هوا الصبح النضيف. صبيت كوبايتين شاي بلبن، وبصيت لابني الوحيد اللي رجع تاني بعد ما كانوا عايزين يدفنوه حيا.
يلا يا حازم، اشرب شايِك ورانا شغل كتير، قلتها وأنا ببتسم. الشركة مستنياك، والناس لازم تعرف إن ابن مصطفى الشناوي لسه عايش، وواقف على رجله، ومفيش أي قوة في الدنيا تقدر تكسره طول ما أمه وراه ودعوتها معاه.
حازم مسك كوباية الشاي بإيديه اللي لسه متغلفة بالشاش، وبصلي ونظرة عينه اتغيرت ١٨٠ درجة؛ الضعف والخوف اللي كانوا فيه من كام ساعة اختفوا، وحل محلهم نَفس طويل وعزيمة حديد.
عندك حق يا أمي، قالها وصوته رجع قوي زي زمان. الشركة دي إنتي وأبويا تعبتوا فيها شقا عمركم، ومش هسيب كلب ياخد منها مليم واحد بعد النهاردة. أنا هقوم ألبس وأنزلك مصر معايا.
تنزل فين يا مجنون؟ زعقت فيه براحة وأنا ببتسم. إنت لسه ضلوعك مكسرة وجسمك متبهدل، وبعدين في ورق وقانون ومحاضر لازم تخلص الأول
وأستاذ رأفت شغال عليها. إنت تقعد هنا في وسط أهلك وناسك، تاكل لقمة نظيفة، وترتاح لحد ما الجرح يلم.
سبته يدخل يرتاح، وطلعت قعدت في الصالة. فتحت الراديو على إذاعة القرآن الكريم، وصوت الشيخ مصطفى إسماعيل كان بيملا البيت بطمأنينة وراحة بعد ليلة طويلة ما يعلم بيها إلا ربنا. سجدت لله سجدة شكر طويلة، بكيت فيها من كل قلبي.. شكرته إنه رد لي ابني، وإنه مكر بأصحاب المكر وخلى تدبيرهم في تدميرهم.
على الضهر، التليفون رن. كان أستاذ رأفت.
بشري يا أستاذ رأفت، إيه الأخبار؟
صوت أستاذ رأفت كان فيه نبرة انتصار وتشفي النيابة مقلوبة يا ست هدى. رشا والمحامي اعترفوا بكل حاجة بعد ما الطب الشرعي عاين الجثة وطابَق البصمات والوشم، وطلع فعلاً أخوها طارق. المحامي اعترف إن طارق ورشا اختلفوا على الفلوس، وطارق هددها إنه هيبلغ حازم بكل السرقات، ف حطت له نفس السم اللي كانت بتديه لحازم في الشاي، ولما مات، جاتلها الفكرة الشيطانية إنها تبدل الجثث عشان تخلص من حازم وتورثه في نفس الوقت!.
تنّهدت وقلت ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.. طب وحازم؟
رئيس المباحث طالب حضور حازم بنفسه بكرة الصبح لنيابة الأموال العامة عشان يقفلوا المحضر، ويثبتوا إنه حّي يرزق، وتبدأ إجراءات استرداد كل الأملاك والشركات اللي اتزورت باسمها.
ثاني يوم الصبح، الشمس كانت طالعة صافية ونورها يفتح النفس. حازم لبس قميص وبنطلون من بتوع زمان اللي كانوا ماليين الدولاب عندي، ورغم إن الوجع كان لسه باين في مشيته، إلا أن راسه كانت مرفوعة لفوق وعينه فيها نظرة راجل رجع من الموت عشان ياخد حقه.
ركبنا مع عم صابر اللي أصر يوصلنا بنفسه لحد باب المحكمة في القاهرة. طول الطريق، حازم كان باصص من الشباك على الشوارع والناس، كأنه بيشوف الدنيا لأول مرة. لما وصلنا المحكمة، أستاذ رأفت كان مستنينا على الباب، وأول ما شاف حازم، ودموعه نزلت الحمد لله على سلامتك يا بن غالي.. وحوش المباحث مستنيينك جوه.
دخلنا مكتب رئيس النيابة. الراجل أول ما شاف حازم داخل على رجله، وقف من ورا مكتبه وهو مش مصدق. فتح المحضر، وحازم قعد وحكى كل حاجة من طقاطق للسلام عليكم؛ حكى عن السم اللي كان بيتحط له في الشاي، وعن التزوير،
وعن ليلة هروبه وهو غرقان في دمه. وأستاذ رأفت قدم الملف الرمادي والفلاشة اللي فيها الفيديوهات والتسجيلات.
كل كلمة حازم كان بيقولها، كانت
بتكتب مسمار جديد في نعش رشا والمحامي بتاعها. رئيس النيابة أمّن على كلامه وقال بنبرة قوية القضية قفلت يا متر حازم. الورق ده والفيديوهات مع تقرير الطب الشرعي لجثة طارق، يودوا رشا والمحامي لفضيلة المفتي وعشماوي وهم مغمضين.. قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد وتزوير رسمي.
بعد ما خلصنا الإجراءات وأثبتنا إن حازم حي يرزق، وطلعت القرارات بالتحفظ على كل أموال رشا والمحامي وإعادة الشركات والأملاك لاسم حازم واسمي، خرجنا لساحة المحكمة.
الهوا برا كان نضيف، وكأن الدنيا كانت بتتطهر من الوساخة اللي عشنا فيها الكام يوم اللي فاتوا. حازم وقف في الشمس، خد نَفس طويل من جوه قلبه، وبصلي وابتسم أمي.. أنا حاسس إن روحي ردت فيا.. الكابوس انزاح.
مسكت إيده وجزيت عليها الحمد لله يا بني.. ربنا يمهل ولا يهمل، والمال الحلال أهو رجع لأصحابه. رشا كانت فاكرة إن الفلوس والمظاهر هي كل حاجة في الدنيا، ونسيت إن في رب يحمي الغلبان وينصر المظلوم ولو بعد حين.
عم صابر قرب مننا وهو بيضحك وبيمسح عرق جبينه يلا يا ست هدى، يلا يا متر حازم.. المحلة وحشانا، والست هدى لازم تعملنا صينية رقاق باللحمة المفرومة وشوية شوربة دافية نرم بيهم عضم المتر بعد الليلة الصعبة دي.
ضحكنا من قلبنا، الضحكة الصافية اللي انحرمنا منها من سنين. ركبنا العربية وراجعين لبيتنا الغالي، وفي سري كنت بقول الحمد لله اللي نصرنا بالحق، وحفظ لي ابني ونور عيني، وخلى نهاية الظالمين آية وعبرة لكل من يعتبر.
قفلت مع أستاذ رأفت وبصيت لحازم اللي كان واقف ورايا وسامع كل كلمة وعينه بتلمع.
سمعت يا حازم؟ قلت له وأنا بمسح على كتفه. بكرة هترجع لدنياك تاني، بس المرة دي وإنت حر.. مفيش قفص زجاج، ومفيش تعابين حواليك. هتبدأ من جديد، وعينك في وسط راسك.
حازم دمع، وباس إيدي وراسي وقال أنا مكنتش هبقى موجود النهاردة لولاكي يا أمي. ربنا يخليكي ليا وما يحزمنيش منك أبداً.
ابتسمت وقلت له ويخليك ليا يا قلب أمك.. يلا بقى ادخل كمل نومك عشان بكرة ورانا مشوار طويل للقاهرة، والمرة
دي داخلينها ومنصورين وبراس مرفوعة.

تم نسخ الرابط