لقاء بعد فراق حكايات صافي هاني
وغمضت عيني، ونمت نوم عميق مالحقتش أدوق طعمه من شهور.
عدى أسبوعين، ورجعت لحياتي وشغلي وروتيني الطبيعي. كنت فاكرة إن كلام شريف ليلتها كان مجرد كلام تحت تأثير صدمة الموقف وخوفه على بنته، وإنه هيرجع يختفي تاني زي ما عمل قبل كده. بس شريف فاجأني.
في يوم وأنا نازلة من ورديتي العصر، لقيت عربية شريف واقفة بره المستشفى. هو مكانش راكب فيها، كان واقف جمبها وساند ضهره عليها، وأول ما شافني عدل وقفته وقرب مني بخطوات هادية. كان باين عليه إنه مستني بقاله كتير.
مساء الخير يا أمل. قالها بنبرة صوت رجعتلي ذكريات سنين.
وقفت مكاني وبصيت له بجمود شريف؟ أنت إيه اللي جابك هنا؟ وفريدة عاملة إيه دلوقتي؟
فريدة زي الفل وبتسلم عليكِ كل يوم.. أمل، أنا مجيتش أضغط عليكِ والله، أنا بس جيت أوصلك. مش هينفع تسوقي أو تركبي مواصلات وأنتِ في الشهر الثامن وبتسهرى طول الليل في المستشفى.
أنا بعرف أتصرف يا شريف، وشلت نفسي طول الشهور اللي فاتت ومش محتاجة مساعدة من حد. قلتها وأنا بجري خطوتي عشان أبعد.
مشى جمبي وقال بهدوء وصبر عمري ما شوفتهم فيه زمان أنا عارف إنك ب ميت راجل، وعارف إنك تقدري.. بس أنا مش قادر أشوفك تعبانة وأقف أتفرج. أرجوكِ يا أمل، اعتبريني سواق تاكسي يا ستي، بس وافقي أطمن إنك وصلتي بيتك بالسلامة.
بصيت لملامحه اللي كان باين عليها الإصرار الصادق، وبصيت لبطني اللي تقلت ومبقتش قادرة على المهدة والمشي. اتنهدت بقلة حيلة وقلت ماشي يا شريف.. بس لحد البيت ومن
وشه نور بابتسامة حقيقية وقال بسرعة جاهز طبعاً.. اتفضلي.
طول الطريق كان مشغل قرآن بصوت هادي في العربية، ومفتحش بوقه بكلمة تفكرني بالماضي، كان بيسألني بس لو التكييف عالي أو المحور زحمة. لما وصلنا تحت بيتي، جيت أفتح الباب ونزلت، لفيت وبصيت له وقلت شكراً يا شريف.
بصلي بنظرة مليانة حب وندم وقال العفو يا أمل.. أنا هفضل جمبك، مش هسيبك لوحدك تاني أبدًا، والمرة دي أنا مش خايف من أي حاجة في الدنيا.. غير إني أخسرك أنتِ وابننا.
نزلت وقفلت الباب، وطلعت شقتي وأنا قلبي بيدق بطريقة مابقاش عارف يسيطر عليها. بصيت من شباك الصالة، لقت عربية شريف لسه واقفة تحت، وممشيش غير لما شاف نور شقتي ينور..
عرفت ساعتها إن الحكاية مخلصتش، وإن في صفحة جديدة لسه بتتكتب، بس المرة دي.. بشروطي أنا ومرت الأيام والشهور، ودخلت في الشهر التاسع. في الفترة دي، شريف ما غابش عني يوم واحد؛ كان دايماً موجود في المكان، يسأل من بعيد لبعيد، ويطمن على علاجي وأكلي، وبيبعتلي فريدة تزورني وتملى عليا الشقة بضحكتها وبراءتها، ومن غير ما يحسسني بأي ضغط. كان بيبني اللي اتهد بطوب صبر طويل وثابت.
وفي ليلة، وأنا قاعدة في الصالة بقرأ في كتاب، حسيت بوجع شديد ومفاجئ، وجع عمري ما جربته قبل كده. عرفت علطول إنها علامات الولادة.
مسكت الموبايل وإيدي بترتعش، ولقيت نفسي من غير تفكير بطلب رقم شريف. مكملش الرنة الأولى ولقيته رد عليا بصوت صاحي ومستعد أمل! أنتِ كويسة؟
قلت بنبرة متقطعة من الألم شريف.. أنا بتعب أوي.. شكلي بولد.
مسافة السكة يا أمل.. خمس دقائق وأكون عندك، متتحركيش!
فعلاً، مفيش دقائق وسمعت خبطات جيراننا بيبشروني إنه واقف بره. فتحت الباب ولقيته داخل وعينيه مليانة قلق وخوف عليا، سندني بكل حنان وأمان ونزلنا ركبنا العربية، وطول الطريق للمستشفى كان بيمسك إيدي ويقعد يستغفر ويقرأ آيات القرآن عشان يطمني ويصبرني.
دخلت أوضة العمليات، وكلها ساعات والحمد لله قمت بالسلامة، وسمعت صوت عياط ابني اللي ملى الدنيا عليا فرحة.
لما نقلوني الأوضة وبدأت أفوء، فتحت عيني لقيت شريف قاعد على الكرسي اللي جمب السرير، وواخد ابنه في حضنه بشويش وبيكبر في ودنه بصوت واطي وخاشع، والدموع نازلة على وشه. أول ما شافني صحيت، قرب مني وباس راسي بحرمة واحترام كبير وقال الحمد لله على سلامتك يا أم يوسف.. ربنا يخليكِ لينا ويحفظك.
بصيت له وبصيت ليوسف الصغير اللي بين إيديه، وحسيت إن الوجع والكسرة اللي عشتهم الشهور اللي فاتت دي كلها دابوا في ثانية. شريف أثبت بالفعال مش بالكلام إنه اتغير، وإنه مستعد يشيل المسؤولية ويحافظ على بيته ودينه.
ابتسمت بتعب وقلت له الله يسلمك يا شريف.. هرك هات يوسف في حضني.
حط الولد في حضني، وقعد جمبي وقال بنبرة مليانة رجاء أمل.. ينفع نرجع نكتب كتابنا من جديد؟ ينفع نبدأ صفحة ونربي يوسف وفريدة سوا في رضا ربنا؟
بصيت لملامحه الصادقة، ولقيت قلبي أخيراً بيعلن مسامحته. هزيت راسي بالموافقة وقلت المرة دي
وشه نور بفرحة عمري ما شوفتها فيه قبل كده، وعرفنا إن المحنة دي مكانتش غير بداية جديدة لبيت أقوى وأجمل، مليان بركة وأمان.
النهاية
وبعد كام يوم، رجعنا بيتنا ومعانا يوسف الصغير اللي نور دنيتنا. شريف أصر إننا نعمل عقيقة كبيرة لليوسف ونوزعها على الغلابة والمحتاجين بنية الشكر والحمد لله إن ربنا جمعنا تاني على خير وفي طاعته، وصالح حالنا.
البيت مابقاش زي زمان؛ شريف اتغير تماماً، بقى حريص على كل فرض في وقته، وبقى يدخل البيت وشايل فريدة على كتف ويوسف على إيده التانية،
والضحكة مابتفارقش وشه. فريدة كانت طايرة بالفرحة وبقت كل شوية تقرب من سرير يوسف وتبوسه وتقول أنا بقيت الأخت الكبيرة خلاص يا دكتورة أمل.
في ليلة من الليالي، بعد ما الولاد ناموا والدنيا هديت، كنا قاعدين أنا وشريف بنشرب شاي في البلكونة والجو كان هادي وجميل. شريف بصلي ونظرة عينه كانت مليانة راحة ورضا، ومسك إيدي وقال عارفة يا أمل؟ الشهور اللي بعدت فيها دي كانت أصعب أيام عمري، بس دلوقتي عرفت إن ربنا كان بيأدبني وبيصلحني عشان أستاهل النعمة دي.. أستاهلك أنتِ وأولادنا.
ابتسمت وبصيت للسما وقلت له الحمد لله يا شريف.. المهم إننا اتعلمنا الدرس، وإن بيتنا الجديد مبني على الصدق، والأمان، والتوكل على ربنا.
سندت راسي على كتفه وأنا حاسة بأمان حقيقي عمري ما دوته قبل كده، وعرفت إن كل وجع عشته كان وراه جبر كبير من ربنا، وإنه سبحانه لما بياخد
النهاية