زعيم المافيا حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

لدرجة إن الدكتور كان هيقع على الأرض. مسك إيد إيما الباردة الميتة بين إيديه الضخمة، وضغط عليها بكل قوته، ونزل براسه قبال وشها.
إيما! صوت فينسنت طلع مجروح، خشن، ومليان وجع وعمر ما حد في شيكاغو كلها تخيل إن الصوت ده ممكن يطلع من بني آدم زيه. إيما فتحي عينيكي.. مش هتمشي وتسبيني، مش بعد ما عرفت. أنا فينسنت كين.. ومفيش حاجة بتتاخد مني، سامعة؟ فتحي عينيكي!
الدكتور جه يزقه وهو مرعوب يا فندم مينفعش كده، إحنا بنفقدها
لف له فينسنت وعينيه فيها جنون لو هي ماتت، أو ابني جرى له حاجة.. المستشفى دي بمن فيها هتبقى مقبرتكم الليلة دي. فوقها!
الدكتور بلع ريقه ورجع للصدمات تاني وإيديه بتترعش. ابعدوا!.. صدمة ثانية!
جسم إيما اتنفض تاني. وفينسنت عينه على الشاشة.. ثانية.. ثانيتين.. تلاتة..
وفجأة، الخط المستقيم اتهز.
بييييب.. بيييب..
جهاز مراقبة القلب رجع يلقط نبضات ضعيفة، بطيئة، بس موجودة. إيما خدت نفس طويل مفاجئ كأن الروح بترد فيها، وجفنها اتهز.
الدكتور مسح عرقه وبص لفينسنت بنظرة رعب وراحة في نفس الوقت النبض رجع.. الضغط بدأ يستقر حاجة بسيطة.. بس الحالة لسه خطيرة جدًا، لازم تدخل عمليات حالا عشان نلحق الطفل والأم.
فينسنت ساب إيدها ببطء، وقف بطوله وعينيه لسه عليها وهي بيحركوا السرير بسرعة في اتجاه
العمليات. ممر العمليات كان فاضي تمامًا، ورجالته الحراس بدؤوا يظهروا في الممر بعد ما أمّنوا المستشفى من بره.
كبير الحراس بتاعه قرب منه بوش خالي من التعبير وهمس يا فندم، البلاغ اللي جاب إيما هنا.. حادثة عربية مقصودة. وفي نفس الوقت اللي اضرب فيه النار على رجالتنا بره المخزن. دي مش صدفتين.
فينسنت وقف في وسط الممر، النظرة المكسورة اختفت تمامًا، وحل مكانها برود قاتل ألعن من الأول بمراحل. عدل ياقة قميصه، وبص لرجاله وقال بصوت هادي يقطع النفس
هاتولي بروك.. وهاتولي الكلاب اللي ورا الحادثة دي. حيين.. عشان أنا اللي هحفر مقابرهم بإيدي.
الممر كله اتحول لثكنة عسكرية في دقايق. رجالة فينسنت، بلبسهم الأسود الموحد وسلاحهم المتداري تحت الجواكت، قفلوا كل المداخل والمخارج بتاعة الدور. مفيش نملة تدخل ولا تخرج من غير إذن كين.
ساعتين مروا كأنهم ميت سنة. فينسنت ملمسش الكرسي، فضل واقف قدام باب العمليات زي الصنم، عينيه مش بتتحرك عن اللمبة الحمراء اللي منورة فوق الباب. السكوت اللي حواليه كان مرعب، لدرجة إن أنفاس رجاله كانت مسموعة.
فجأة، الباب اتفتح والدكتور خرج، وشه كان دبلان وتعبان، وأول ما شاف فينسنت واقف في وشه، بلع ريقه وصوته اتهز وهو بيتكلم يا فندم.. الحمد لله، قدرنا نسيطر على النزيف. الأم حالتها
استقرت ودخلت العناية المركزة.
فينسنت سأله وعينه بتلمع بحدة والطفل؟
الدكتور اتنهد وابتسم ابتسامة باهتة ولد.. بس نزل قبل معاده، اتولد في الأسبوع الاتنين وتلاتين فجسمه ضعيف ورئته مكملتش. إحنا نقلناه حالا على الحضانة، ومحتاج رعاية دقيقة جداً الساعات الجاية.
فينسنت محركش رمش، بس جواه جبل هم انزاح. مشي ورا الدكتور من غير ما ينطق بكلمة لحد ما وصل لغرفة الحضانة. وقف ورا اللوح الزجاجي الكبير، وبص لجوه. وسط الأجهزة الكثيرة والخراطيم، كان فيه طفل صغير جداً، حجمه ميزيدش عن كف الإيد، نايم جوه صندوق زجاجي.
فينسنت قرب من الإزاز، ورفع إيده الضخمة الملطخة بدم المعارك والمؤامرات، وحطها على الزجاج قصاد جسم ابنه. لأول مرة في حياته، حس بضعف حقيقي. الحتة الصغيرة دي تخصه، دمه ولحمه، وكان هيموت من غير ما يعرف بوجوده بسبب غبائه وثقته في الناس الغلط.
في اللحظة دي، تليفونه اتهز في جيبه. أخرجه وبص على الشاشة، كان ماركو، كبير الحراس بتاعه.
رد بصوت واطي وناشف سامعك.
جاء صوت ماركو من الناحية التانية، وفيه صوت دوشة وحركة سريعة يا فندم، جبنا بروك. كانت بتحاول تحجز تذكرة طيران لبرة البلد بجواز سفر مزور. وهي معانا دلوقتي في المخزن القديم.. ومعاها السواق اللي خبط عربية إيما.
عضلات فك فينسنت اتشدت، وعينيه
اللي كانت باصة للطفل بحنان اتطفت وبقت زي الليل الكحل. بص لابنه نظرة أخيرة كأنه بيوعده بحاجة، وبعدين لف وخرج للممر.
ماركو كمل كلامه السواق اعترف يا فندم.. بروك هي اللي دفعيتله عشان يخلص من إيما بعد ما عرفت إنها حامل، وعشان تضمن إنك مش هترجعلها أبدًا.
فينسنت وقف في وسط الممر، وبص لرجاله اللي مستنيين إشارته. عدل ساعته في إيده وقال بصوت هادي، بس النبرة دي كانت تعني حكم بالإعدام للكل
جهزوا المخزن.. أنا جاي في السكة. والكلاب دول مش عايزهم يشوفوا النور تاني فينسنت ركب عربيته المرسيدس السودا، ووراها تلات عربيات دفع رباعي مليانين رجالة مسلحة، مشيوا في شوارع شيكاغو الضلمة بسرعة ورا بعض كأنهم موكب للموت. مفيش حد فيهم نطق كلمة، الجو جوه العربية كان مشحون لدرجة تخنق.
وصلوا للمخزن القديم المهجور على أطراف الميناء. الباب الحديد الكبير اتفتح بصوت تزييق يوجع السنان.
أول ما فينسنت دخل، رجالته وقفت انتباه. في وسط المخزن، تحت لمبة واحدة صفراء مدلدلة من السقف، كانت بروك مربوطة في كرسي خشبي، شعرها الشقراء المترتب متبهدل، ووشها مليان دموع وكحل سايح. جنبها على الأرض، كان السواق مربوط ومتخرشم من الضرب، بينزف وبيترعش من الرعب.
فينسنت مشي ببطء، خطى جزمته الجلد كانت بترن في المكان الساكت. قلع البالطو
بتاعه رماه لواحد من رجالته،
تم نسخ الرابط