في عزا جوزها حكايات صافي هاني
حطيت إيدي على جرح القيصرية اللي لسه بينزف نار تحت عباية حزني السمرة، وعيني متثبتة على خشبة جوزي "مراد". في اللحظة دي، هجمت عليا "رنا" بكل غلها، ومسكتني من شعري وجرجرت راسي غصب عني لغاية الكفن.
وقفت فوق راسي وهي بتفش غلها وهمست: "كل حاجة بقت ملكي أنا خلاص.. مراد سابلي ثروته كلها وابنه كمان، أما أنتِ فطلعتي من المولد بلا حمص.. مجرد ست مالكيش عازة ولا عيل يشيل اسم."
بكل ثبات مسحت ريالتها اللي جت على خدي، وبصيت في عينها وابتسمت.
وقلت لها: "والله كلامك يدخل العقل.. بس المباحث والأمن الوطني عندهم رواية تانية خالص عن الست اللي نهت حياة جوزي."
وفي ثانية، أول ما الشغالين واللي شايلين الخشبة قربوا خطوة، الجنازة اتقلبت لقلبان ومشهد عمر ما حد في الحاضرين هينساه طول عمره.
كنت واقفة جوة المسجد والناس كلها عينها عليا، كابسة بمرارة على جرح القيصرية اللي لسه طري ومفتوح تحت عبايتي السودة. ريحة البخور كانت مالية الجو ومختلطة بريحة ورد الصبار، بس مفيش أي ريحة كانت قادرة
وفجأة ظهرت "رنا" زي خطافة الرواح، مفيش في وشها نقطة دم ولا حيا.
كانت كابشة في إيد ابني الصغير وبتجره وراها كأنه حتة من ممتلكاتها اللي ورثتها. ومن غير ما تعمل حساب لحرمة الميت ولا لبيوت ربنا، شدتني من شعري بكل فجارة ونزلت راسي لغاية خشبة "مراد".
همست في ودني بابتسامة صفرا تفرس: "كل حاجة بقت بتاعتي.. مراد كتب لي كل ممتلكاته وفوقيهم ابنه، وأنتِ طلعتي من حيلته بإيه؟ ست مالكيش لازمة ولا قدمتي له عيل يربطه بيكي."
الهمهمة والوشوشة اللي كانت مالية المسجد انقطعت مرة واحدة. مفيش مخلوق اتمطع، ولا نفس طلع، والكل بقى حابس أنفاسه.
جسمي كله كان بيتفض، بس مش من الانكسار.. ده كان زلزال مكتوم من كتر ما أنا كابتة غيظي وبتملك أعصابي.
خدت نفس طويل على مهلي، حسيت بنار الوجع بتنهش بطني، ورفعت عيني وبصيت لها بنظرة برود وثبات قاتل خلّاها تتهز من جواها وتفقد توازنها.
"رنا" كانت مستنية مني دموع.. وصويت.. وعويل.
كانت مستنية تشوف أرملة
بس ما لقتش أي حاجة من دي خالص.
كل اللي شافته ابتسامة برود مرسومة على وشي.
قلت لها بصوت واطي وواثق هز أركانها: "حاجة غريبة تضحك فعلاً.. عشان مراد الله يرحمه ما مضاش ليكي على ورقة واحدة، ولا ساب لك مليم أبيض."
عينيها بربشت وتاهت في نص ثانية.. والشك بدأ يأكل قلبها ويقيد فيه النار.
وفي نفس اللحظة دي، الناس اللي المفروض شايلين الخشبة ومجهزينها للدفن بدأوا يتحركوا بحرفية وتكتيك غريب ومريب؛ واحد بيعدل لبسه، والتاني بيبص بطرف عينه ناحية الباب الجانبي للمسجد.
"رنا" من عمى غلها وغبائها ما خدتش بالها من الحركة دي.
بس أنا كنت قارية المشهد ومفتحة عيني لـكل فستوكة.
عشان دول أصلاً ما كانوش جايين يدفنوا ولا يشيلوا خشبة.. دول كانوا رجال مأمورية وقوة دعم جايين يقلبوا الطاولة.
والعزا في اللحظة دي مابقاش عزا...
...لأن في لمح البصر، الكام راجل اللي كانوا واقفين حوالين الخشبة ومجهزين نفسهم للدفن، اتمطعوا في مكانهم بحركات سريعة ومدروسة.
الظابط خطى خطوة واسعة، وبصوت جهوري هز الحيطان وقَطَع الخرس اللي كان مسيطر على الناس، قال: "يا رنا يا سويلم.. أنتِ مقبوض عليكي بتهمة قتل "مراد" مع سبق الإصرار والترصد، والتزوير في أوراق رسمية."
في ثانية، الوش اللي كان كله جبروت وفجر اتمسح، والضحكة الصفرا اللي كانت على شفايفها اتقيدت نار. عينيها بدأت تلف في المكان زي الفأر المحبوس في مصيدة، وحاولت ترجع لورا وهي بتزعق وتلم الناس حواليها: "أنتم بتقولوا إيه؟! ده جوزي! أنا معايا ورق يثبت إنه كاتب لي كل حاجة! الست دي هي اللي متبلية عليا!"
أنا ما اتكلمتش.. ما صرختش في وشها، ولا حتى حاولت أرد لها شدة الشعر.
بكل هدوء وثبات، نزلت على ركبي وضمت ابني لحضني، وأنا بكتم وجع جرح القيصرية اللي حسيت إنه هيتفتح من كتر الشد، وطبطبت على ضهره وهمست في ودنه: "خلاص يا حبيب أمك.. كابوسنا