في عزا جوزها حكايات صافي هاني
الظابط ما اداهاش فرصة تنطق بكلمة زيادة؛ وبإشارة واحدة من إيده، اتنين من رجال المأمورية كلبشوا إيديها وجرجروها وسط ذهول وصدمة كل اللي واقفين في العزا. الناس بدأت تتوشوش وتضرب كف على كف، والكل عينه راحت على الخشبة وبعدها عليا وأنا واقفة في وسطهم زي النخلة، مكسورة من برة بس هادة الدنيا من جوة.
بصيت لـ "رنا" وهي بتجر رجليها وراهم وعينها مليانة غل وخوف، وابتسمت لها نفس الابتسامة الباردة وقبل ما تخرج من الباب، قلت لها بصوت مسموع: "المولد طلع له صاحب يا رنا.. والقانون ما بيسيبش حق المظلوم."
والعزا اللي كان مفروض يدفنوا فيه مراد ويقيدوا اسمي معاه في قيد النسيان، بقى هو البداية الجديدة اللي هثبت فيها للعالم كله.. إن مفيش ست مصرية بتتكسر، حتى لو كانت شايلة جرحها بإيد وحقها بالإيد التانية
...خرجت "رنا" والكلابشات في إيدها بتجر خيبتها وصدمتها وسط نظرات الناس اللي كانت من ثانية واحدة بتبص لها على إنها صاحبة الملك والمال. المسجد كله اتقلب همهمة وصوت ضرب الكفوف على الكفوف بقى هو اللي مسموع، والعيون كلها
أنا ما سيبتش نفسي للحظة ضعف؛ سَندت على الحيطة وأنا دايسة بأطراف صوابعي على مكان الجرح اللي كان بيقيد نار تحت العباية، ورفعت راسي لفوق وأنا بتنفس بصعوبة بس بثبات يهد جبال.
الظابط قرب مني وبص لي بنظرة احترام، وقال بصوت واطي: "النيابة مستنياكي يا مدام عشان تقفلي المحضر وتستلمي حظر التمكين من الأملاك.. حمد الله على سلامتك، ورقك كله سليم ويقفل أي باب."
هزيت راسي بشكر، والتفت للخشبة اللي فيها جوزي.. "مراد".
بصيت للكفن ونزلت دموعي لأول مرة من ساعة ما المأمورية دخلت.. بس ما كانتش دموع قهر، كانت دموع عهد.
قربت من الخشبة، وحطيت إيدي التانية عليها وهمست بصوت مبحوح بس واثق: "نام وارتاح يا مراد.. حقك رجع، وابنك في حضني، والبيت اللي بنيناه سوا مش هيدخله غريب.. نام وأنت مطمن."
الناس بدأت تتحرك تاني عشان يكملوا مراسم الدفن والكرامة للميت، وأنا أخدت ابني الصغير في حضني، وخرجت من باب المسجد والخطوة اللي كانت
العزا خلص.. والمقابر اتقفلت على سر مراد.. بس حكايتي أنا وابني لسه بتبدأ، والمرة دي، أنا اللي هكتب السطور الأخيرة..
ركبت عربية البوكس وهي بتلتفت وراها وتبص لي بنظرات كلها غل ووعيد، وكأنها لسه مش مصدقة إن السحر انقلب على الساحر، وإن القصر اللي بنته في خيالها اتهد فوق دماغها في ثانية.
أنا ما ديتهاش الوش؛ أخدت ابني في حضني وطلبت من أخويا يسوق بينا على البيت. طول السكة، كنت حاطة راسي على قزاز العربية والوجع بيسمّع في ضهري وفي كل عرق في جسمي.. جرح الولادة وجع، وجرح الخيانة وجع تاني خالص.. بس وجع النصر بيبنج أي حاجة تانية.
أول ما وصلنا البيت، قفلت علينا الباب بالمفتاح والترباس. قعدت على السرير وضميت ابني لصدري بكل قوتي وبكيت.. بكيت من قلبي لأول مرة من يوم ما مراد مات. بكيت على الأيام اللي عشتها في خدعة، وعلى الخوف اللي كان هيموتني وأنا شايفة ابني ممكن يتفطم على إيد ست غريبة ومجرمة.
عدى يومين،
فتحت ولقيت المحامي بتاعنا ومعاه وش كله بشرة خير، دخل وقعد وقال لي وعينه مليانة إعجاب باللي عملته: "يا مدام.. رنا اعترفت بكل حاجة في النيابة بعد ما حاصروها بتسجيلات الكاميرات وتقارير الطب الشرعي عن السم اللي حطته لمراد الله يرحمه في العصير.. والنيابة أصدرت قرار رسمي بتمكينك من الشقة وكل أملاك المرجوم بناءً على إعلام الوراثة الشرعي."
تنفت الصعداء وحسيت إن جبل كان كاتم على نفسي واتزاح.
بصيت من الشباك على الشارع، وشوفت الشمس وهي طالعة بتنور الحارة من جديد بعد أيام كحلي عشناها. بصيت في المراية، وشوفت الست المكسورة الأرملة اللي كانت واقفة من يومين في العزا، ملامحها اتغيرت.. الوجع لسه موجود، بس المرادي ممزوج بقوة وعزيمة متتكسرش.
حطيت إيدي على بطني، مكان الجرح اللي بدأ يلم ويخف، وابتسمت لابني الصغير اللي كان بيلعب ببراءة على السجاد، وقلت في سري: "اللي فات كان حكاية مراد الله يرحمه.. أما اللي جاي، فدي حكايتي أنا.. حكاية الست اللي وقفت بطولها وجابت حق بيتها