ابني ضربني حكايات صافي هاني
بس جوايا كان فيه نور جديد بيطلع.
أنا مش بس حميت ورث هنري وشقاه؛ أنا حميت نفسي. كالب كان فاكر إن كسر ضلوعي هيكسر كلمتي، بس هو غبي.. نسي إن اللوجستيات والشغل اللي عملوا اسم ويتمور أنا كنت النص التاني فيه.
من بكرة الصبح، هلبس أسود، وهنزل الشركة، وهقعد على مكتب هنري. ومن بكرة، مفيش كالب.. فيه بس ويتمور للوجستيات، والشركة دي عمرها ما هتقع.
فات سنة كاملة على اليوم ده.
سنة بحالها ما سمعتش فيها صوت كالب، ولا شفت وشه. في الأول، المحامين بتوعه حاولوا يرفعوا قضايا عشان يطعنوا في الوصية وفي أوراق الحرمان من الميراث، بس تسجيلات الكاميرات والتقرير الطبي المحترم بتاع دكتور ليفين قفلوا اللعبة قبل ما تبدأ. كالب خسر كل حاجة بالقانون، والأهم من القانون.. إنه خسرني.
النهاردة الصبح، كنت قاعدة في مكتبي بالشركةمكتب هنري الله يرحمهوبمضي ميزانية السنة الجديدة. ويتمور للوجستيات كبرت وبقت أقوى، فتحنا خطوط شحن جديدة، والموظفين اللي كانوا قلقانين بعد موت هنري، عرفوا خلاص إن الست اللي بتدير دلوقتي مش سهلة، وإن المركب ليها ريس واحد وبس.
مكتب السكرتارية اتفتح ودخل مستر جريفز، كان باين على وشه حاجة غريبة، قلق مخفي ورا هدوئه المعتاد.
حط ملف صغير على مكتبي وقال بنبرة هادية مدام ويتمور.. افتكر من حقك تشوفي ده.
فتحت الملف. كانت تقارير من حراسة الكومباوند ومن التحريات اللي كنت مكلية بيها ناس يراقبوا كالب من بعيدمش حباً فيه، بس عشان أأمن غدره. الصور كانت تصدم. كالب واقف قدام شقة قديمة
مستر جريفز بصلي وقال هو كلمني مبارح يا فندم. كان بيعيط.. بيترجى بس يدخل الكومباوند يشوفك خمس دقائق. بيقول إنه جاع وتعب، وإن الشغل الشاق هيدمره.
قفلت الملف براحة بالغة. حطيت إيدي على ضلوعي اللي وجعها اختفى من زمان، بس افتكرت اللحظة اللي رماني فيها وزقني زي الكلب وهو بيقولي يا ريتك كنتي فضلتي مفيدة يا أمي.
مستر جريفز، قلتها وصوتي مأتهزش شعرة، لما كالب جالي مبارح سنة وهو مديون، أنا ما قفلتش الباب في وشه عشان الفلوس.. أنا قفلته عشان ضربني وهان شيبتي. الشغل الشاق مش هيدمره، الشغل الشاق هو الحاجة الوحيدة اللي ممكن تخليه بني آدم وتعرفه القرش بييجي إزاي.
بصيت من شباك المكتب الكبير على العربيات النقل اللي خارجة من المخازن محملة بالبضايع، وقلت مش هتدخل في حياته، ولا هيدخل حياتي. سيبه يشتغل ويدفع تمن طيشه. لما يخلص ديونه بعرق جبينه، ساعتها بس، يمكن أبقى أفكر إذا كنت هسامحه كإنسان.. إنما كابن؟ كالب مات في اليوم اللي مد إيده فيه عليا.
مستر جريفز ابتسم ونزل رأسه باحترام، وخد الملف ومشي.
سندت ضهري على الكرسي الجلد، خدت نفس طويل، وكملت مراجعة الورق اللي في إيدي. الحكاية مقفولة، والدرس اتعلمناه.. والي بنته الإيدين الشقيانة، مش هيهده عيل طايش.
بعد ست شهور
مدام ويتمور.. إحنا أسفين على الإزعاج في وقت زي ده، بس فيه واحد واقف برة البوابة بقاله ساعتين تحت المطر. مش راضي يمشي، ورجاله الأمن اتعاطفوا معاه لأنه مبهدل خالص وبيقول إنه ابنك ومش عايز فلوس.. عايز بس يشوفك.
سكتت لثواني. بصيت على نار الدفاية، وقلت لغفير البوابة خلوه يدخل.. بس فتشوه كويس، وهاتوه لحد باب الفيلا في عربية الجولف.
قمت وقفت ورا شباك الصالون الإزاز. شفته وهو نازل من العربية.. مكنش كالب اللي يتبغدد وبيركب عربيات سبور. كان راجل مكسور، ساند ضهره من البرد، لابس جاكيت قديم ومبلول مية بالكامل.
الباب اتفتح، ودخل وقف عند العتبة، مكنش راضي يدخل بجزمته الطين على السجاد الإيراني. بصلي وعينيه كانت مليانة دموع.. بس المرة دي دموع حقيقية، دموع واحد اتهرس في مفرمة الدنيا.
أمي.. صوته كان بيرعش من البرد والخوف.
فضلت واقفة مكاني، حاطة إيدي في جيوب الروب، وبصيت له بجمود عايز إيه يا كالب؟
نزل على ركبه على الأرض الرخامنفس المكان اللي زقني فيه من سنة ونص. أنا مش جاي أطلب فلوس.. أنا سددت أخر مليم للوجع الصامت اللي كنت مديون له. اشتغلت تلات ورديات في اليوم، شلت حديد وصناديق على ضهري لحد ما ضهري اتقوس. عرفت يعني إيه قرش، وعرفت يعني إيه شقى.. وعرفت أنا عملت فيكي إيه.
بكى بحرقة وكمل أنا كنت كلب وغبي.
قربت منه ببطء، وقفت قدامه وبصيت على إيديه.. إيديه اللي كانت ناعمة وبتاعة مكاتب وساعات ماركة، دلوقتي بقت خشنة، ومجرحة، وفيها آثار شقا وتعب.
قوّم يا كالب، قلتها بنبرة هادية بس ناشفة.
وقف وهو بيترعش.
أنا مسمحاك على الوجع.. بس الوجع بيسيب أثر، والشرخ اللي في القلوب مبيتصلحش في قعدة. أنت سددت دينك للناس، بس دينك ليا مبيتسددش بكلمتين في ليلة مطيرة.
بصلي بلهفة أعمل إيه؟ أي حاجة هتقولي عليها هعملها.
الشركة محتاجة عمال في المخازن الرئيسية في بورسعيد.. شغل شيل وحط، باليومية، زيك زي أي عامل غريب. هتروح هناك، هتعيش في سكن العمال، ورئيس العمال هناك ما يعرفش أنت ابن مين، وممنوع تقول. لو ثبت نفسك ووريتني إن كالب القديم مات ودفنته، ساعتها هفكر أنقلك لمكتب إداري.. ومن هناك، خطوة بخطوة، يمكن ترجع تبقى ابني.
مسح دموعه وهز رأسه بسرعة وجنون موافق.. موافق يا أمي، والله موافق. من بكرة هكون هناك.
دلوقتي، ادخل المطبخ، الدادة عملت شوربة دافية، كل والبس حاجة ناشفة من حاجاتك القديمة، وبكرة الصبح السواق هيوصلك لمحطة القطر.
سابني ودخل على المطبخ وهو بيشكر ربنا. بصيت على مكانه الفاضي على الرخام.. لأول مرة حسيت إن روحه بدأت تنضف. أنا ما رمتوش في النار، أنا بس سيبته يستوي على نار هادية عشان يطلع راجل.. الراجل