تمن كوتشي غير حياة المليونير حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

​رد عليها بهدوء: "يا مريم.. تعالي معايا".
​جوه المحل، البياعة قاست رجل مريم وجابتلها كذا موديل. جزمة المدرسة السوداء الناشفة، وكوتشي بينك كان ضيق عليها، وفي الآخر كوتشي أبيض وفيه لمسات بينك رقيقة. أول ما لبست الموديل التالت ده، وشها نور وضحكت من قلبها وهمست: "مش بتوجع!". وقفت، ومشت، وبعدين بدأت تجري بحذر جوه المحل وهي بتضحك: "بص طرية إزاي!".
​شريف لقى نفسه بيضحك من غير ما يحس وقال: "هناخد دي".
​بره المحل، مريم كانت بتلف وفرحانة جداً بجزمتها الجديدة وقالت: "كده محدش هيضحك عليا تاني في المدرسة!". وجريت عليه وحضنت رجله بكل قوتها وهمستله: "شكراً ليك يا عمو يا طيب". وقبل ما شريف يلحق يسألها أي سؤال، كانت جريت واختفت ورا الملف.
​ولأول مرة من سنين طويلة، الهدوء اللي في حياة شريف مكانش حاسس إنه فراغ.. كان حاسس إن فيه روح جديدة دخلت حياته.

عدّت السنين، ومريم كبرت وبقت شابة في العشرين من عمرها، بتدرس في كلية الهندسة وبتشتغل في نفس الوقت عشان تساعد والدتها "ست وفاء"، الأم المكافحة اللي شالت شيلت مريم لوحدها بعد ما الأب اتوفى وهي لسه طفلة. مريم عمرها ما نسيت الراجل الطيب اللي جابلها الكوتشي، وكان دايماً عندها أمل إنها تقابله في يوم من الأيام عشان تردله تمنه، زي ما وعدته وهي عندها 5 سنين.
​أما شريف فؤاد، فالدنيا اتقلبت بيه تماماً. الشركات الكبيرة اللي بناها والفلوس اللي كانت بتملى بنوك، ضاعت كلها في أزمة اقتصادية ورا صفقات خسرت ورا بعضها، وفوق كل ده، جاله مرض نادر في الأعصاب هده وخلاه مش قادر يتحرك غير بكرسي متحرك. تمن علاجه الغالي خلص على الباقي من ثروته،

ومبقاش حيلته غير شقة صغيرة قديمة في حي شعبي، بعد ما باع شقة الزمالك والعربيات، وكل "صحاب المصلحة" والمديرين اللي كانوا بيحاوطوه اتبخروا.
​في يوم من الأيام، ست وفاء والدة مريم، اللي كانت بتشتغل ممرضة باليومية، تعبت ومبقتش قادرة تروح لبعض الحالات اللي بتابعها في البيوت. طلبت من مريم تروح بدالها تدي حقنة وتابر ضغط لمريض قعيد ساكن في نفس منطقتهم.
​مريم أخدت الشنطة الطبية وراحت على العنوان، خبطت على الباب، وفتح لها راجل مسن باين عليه التعب والكسرة، ودخلها الأوضة. مريم أول ما شفت المريض القعيد، لفت انتباهها عينيه.. رغم علامات الزمن والمرض والتجاعيد، العيون دي مكانتش غريبة عليها أبدًا.
​بصت حواليها في الأوضة الفاضية، ولمحت على رف قديم صورة لراجل في الأربعينات، شيك جداً وواقف قدام مبنى شركات ضخم. مريم قطعت الشك باليقين، وقربت منه وعينيها دمعت وقالت بصوت بيترعش: "عمو شريف؟"
​الراجل بص لها باستغراب وقال بصوت ضعيف: "أنتي تعرفيني يا بنتي؟"
​مريم نزلت على ركبتها جمب الكرسي وبست إيده وقالتله: "أنا مريم.. البنت الصغيرة اللي وقفتك في الشارع من 20 سنة عشان جزمتي كانت مقطوعة وبتوجعني.. وقولتلك يومها لما أكبر هردلك الفلوس.. أنا منسيتكش ولا يوم يا عمو".
​شريف افتكر اللحظة دي، اللحظة الوحيدة اللي حس فيها بالدفا في عز نجاحه المزيف، ودموعه نزلت: "مريم؟ أنتي كبرتي وبقيتي عروسة أهو.. سبحان الله.. الدنيا لفت ومبقاش معايا حتى تمن الجزمة اللي جبتها لك زمان يا مريم".
​مريم ردت عليه بكل قوة وفخر: "أنت جبتلي كرامتي يا عمو ومنعت الناس تضحك عليا، والنهاردة جه دوري".
​من اليوم ده،
مريم ووالدتها ست وفاء مسبوش شريف. مريم بدأت تبحث وتقرأ عن مرضه الخفي والنادر ده، وبتواصلها مع دكاترة برة وجوه من خلال دراستها، قدرت توصل لبروتوكول علاج جديد ومناسب لحالته وبأقل التكاليف. وست وفاء كانت بتابع معاه التمريض والعلاج الطبيعي يومياً بحب ومن غير ما تاخد مليم.
​شريف، ولأول مرة في حياته، وسط الشقة البسيطة دي ومع مريم ووالدتها، حس بالدفا اللي كان بيدور عليه طول عمره في شقق الزمالك الفاضية.. عرف يعني إيه "بيت بجد" فيه ناس بتحبه لشخصه مش لفلوسه. ومع الوقت، وبفضل ربنا ثم رعاية مريم وعلاجها، شريف بدأ يسترد عافيته ويقف على رجليه تاني، وبقى هو الأب والبيت والسند اللي مريم ووالدتها كانوا محتاجينه، وعرف إن الـ 45 دولار اللي دفعهم زمان، كانت أعظم وأشرف استثمار عمله في حياته كلها.

بعد شهور من التعب والرعاية المستمرة، حصلت المعجزة اللي مكنش حد يتوقعها. شريف بدأ يقف على رجليه من تاني، والوجع والوهن اللي عجزوا الدكاترة بدأوا يختفوا بفضل بروتوكول العلاج اللي مريم وصلتله، وبفضل الدفا والروح الجديدة اللي دخلت حياته.
​في نفس الوقت، مريم كانت بتستعد لتخرجها من كلية الهندسة. شريف مكنش مجرد مريض بيتعالج، ده بقى هو اللي بيشرف على دراستها، بيراجع معاها مشاريعها، وينقلها خبرته القديمة في إدارة الأعمال والتخطيط. شريف رجع ببطء يشتغل من اللاب توب بتاعه كاستشاري لشركات برة وجوه من غير ما يحتاج ينزل من البيت، وبدأت الفلوس تجري في إيده من تاني، بس المرة دي عرف قيمتها الصح.
​يوم حفلة التخرج، مريم كانت واقفة وسط زمايلها، ولما اسمها اتندى عشان تطلع تستلم شهادة التخرج بتقدير

امتياز مع مرتبة الشرف، لفت وشها للمدرج تدوّر على والدتها "ست وفاء". بس المفاجأة الكبيرة كانت لما لقت شريف واقف جمب والدتها على رجليه، لابس بدلة شيك جداً فكرتها بصورته القديمة، وفي إيده علبة هدايا كبيرة.
​مريم نزلت من على المسرح وعينيها مليانة دموع وفرحة، جريت عليهم وحضنت والدتها وشريف.
شريف ابتسم ودموعه في عينيه، ومدلها العلبة وقالها: "دي هديتك يا بشمهندسة.. مكنش ينفع تخرجي وتدخلي حياتك العملية الجديدة من غيرها".
​مريم فتحت العلبة، ولقت جواها كوتشي أبيض شيك جداً وغالي، بس مرسوم عليه يدوي بالوان رقيقة شكل ضفيرتين صغار ويفتة حمراء صغيرة مكتوب عليها "محل الأحذية". وجمب الكوتشي كان فيه ظرف مقفول.
​فتحت الظرف، لقت جواه شيك بمبلغ محترم جداً باسمها، ومكتوب معاه ورقة صغيرة بخط شريف:
"الـ 45 دولار بتوع زمان رجعوا لصحابهم بأضعاف أضعافهم.. الشيك ده مش هدية، ده رأس مال شركتك الهندسية الجديدة اللي هنبدأها سوا أنا وأنتي ووالدتك. أنتي مكنتيش مجرد بنت ردت الجميل، أنتي كنتي السبب في إن ربنا يشفيني، ويرجعلي حياتي، ويخليني أعرف لأول مرة يعني إيه عيلة بجد ويعني إيه كلمة (بيت)".
​مريم بصت للكوتشي وللشيك ولشريف وقالتله: "أنا منسيتش وعدي يا عمو، بس أنت كرمك دايماً أكبر".
​ومن اليوم ده، بدأت شركة "شريف ومريم للمقاولات والاستشارات الهندسية"، وبقت شركة من أكبر الشركات في السوق، مش بس بنجاحها وفلوسها، لكن بأنها كانت قايمة على الخير.. ومريم كل سنة في نفس المعاد، كانت بتنزل بنفسها تشتري شنط جزم ومدارس وتوزعها على الأطفال المحتاجين في الشوارع، عشان تفتكر دايماً إن جبر الخواطر
هو أعظم استثمار في الدنيا.

تم نسخ الرابط