طفل مشرد حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

ممكن تبص على الكارت ده؟ ولد صغير، يدوب 7 سنين، واقف في بنك زحمة ومروّش... الموظف بصله بطرف عينه، كان هيمشيه ويقوله العب بعيد يا شاطر عشان الكارت الأسود اللي في إيده كان متبهدل ومقشر... بس فجأة إيد الموظف اتجمدت على الكيبورد، وعينيه برقت لما الشاشة أظهرت أرقام حساب مش موجودة في أي نظام بنكي في الدنيا، أرقام تخلي العقل يقف!
الصبح ده، الأرقام مكنتش ناوية تسكت ولا تمشي زي كل يوم.
طول عمر البنك ده مكان ماشي بالمسطرة، كل حاجة فيه تحت السيطرة تماماً. كل حركة محسوبة، وكل خطوة ليها أمر صامت مفيش حد بيجرؤ يناقشه. الجزم المتلمعة بتزيق على الرخام الناعم، والأصوات واطية ومخلوطة بزنة ثابتة مبتتحولش لفوضى أبداً.
كل يوم الصبح كان بيبدأ بنفس السيناريو العملاء بيدخلوا واحد ورا التاني، واقفين في طوابير هادية ومنظمة، والموظفين بيخلصوا الإجراءات بسهولة وخبرة، كأن التعامل مع الفلوس محتاج هدوء أعصاب مش استعجال. والإحساس الهادي ده كان هو اللي راسم جو المكان كله.
عشان كدة، لما حاجة تكسر الروتين ده، كانت بتبان قوي وتلفت النظر. لأن لما نمط مبيتغيرش غير نادراً ينكسر، حتى أصغر العيال اللي واقفة بتبدأ تحس إن فيه حاجة تقيلة بتحصل.
والموضوع بدأ بولد صغير.
مكنش مكمل

7 سنين، بس وقفته قدام الشباك كانت مدياله سن أكبر بكتير من عمره الحقيقي. تباَته وهدوءه كان وراهم هدف واضح ومحدد، حاجة مش طبيعية لعيّل في سنه.
هدومه كانت بسيطة جداً، من النوع اللي ممكن متلاحظوش خالص، وتخليه يندمج في الزحمة من غير ما يلفت الانتباه. بس فيه حاجة في طريقته ووقفته خلت من المستحيل إنك تتجاهله. الثقة الحقيقية مابتجيش من المنظر، بتيجي من مكان أعمق بكتير.
ورا الشباك، عادل كامل لاحظه تقريباً في ساعتها، بس رده كان بدافع العادة مش الفضول. المقاطعات دي كانت جزء من روتينه اليومي، ومعظمها بيمشي على أنماط معروفة ومتوقعة ومش محتاجة تفكير كتير.
سأله وهو بيميل لقدام شوية، بنبرة هادية بس فيها جفاء ورسمية، كأنه متوقع إن الموضوع هيخلص قوام قوام ومن غير شوشرة أي خدمة يا حبيبي؟
الولد مردش عليا في ساعتها، والسكوت القصير ده خلق توتر بسيط في الجو. في مكان زي ده، السكوت معناه عادةً إن الشخص مش متأكد من حاجة، بس وقفة الولد مكنش فيها أي نوع من عدم التأكد.
بدل ما يتكلم، مد إيده في جيبه وطلع ظرف بني صغير، وحطه بحرص وهدوء على الشباك. حركته كانت موزونة ومقصودة، كأن كل خطوة مترتبة ومحسوبة من قبل ما يوصل بكتير.
وبعدين، حط كارت أسود جنب الظرف.
مكنش من نوع
الكروت الشيك اللي تلفت النظر وتبرق، بالعكس، مكنش فيه أي لمعة أو علامات تدل على الفخامة أو المركز الاجتماعي. حروفه الممسوحة والمتبهدلة كانت بتحكي عن زمن طويل عدى عليه مش عن أهمية، وده خلى من السهل إنك تتجاهله وتستقل بيه من أول نظرة.
عادل اتنهد تنهيدة خفيفة وهو بيمسك الكارت من غير اهتمام كبير. أصل هو اتعامل مع كروت مابتتعدش قبل كدة، ومعظمها مكنش محتاج أكتر من كام ثانية تركيز.
رجع لجهازه وبدأ يكتب، صوابعه بتتحرك بسرعة وحفظ على الكيبورد، العملية بقت أوتوماتيكية بالنسباله، حاجة مابتحتاجش تفكير تقريباً.
في الأول، كل حاجة كانت طبيعية جداً. النظام استجاب زي كل مرة، وطلع المعلومات بنفس الشكل المنظم والمعروف اللي عمره ما خيّب ظنه.
بس فجأة، حاجة اتغيرت.
كانت حاجة بسيطة في الأول، وممكن قوي تتجاهلها. العقل لما بيبقى متوقع إن الأمور تمشي طبيعي، مابيلحظش في ساعتها لما يكون فيه حاجة غلط أو ناقصة. بس حركة عادل بقى فيها تردد بسيط، إشارة إن فيه حاجة مش مظبوطة ومش ماشية مع بعضها.
سكت، وصوابعه فضلت متعلقة فوق الكيبورد، وعينيه ضيقت شوية وهو بيبص للشاشة تاني، عشان اللي شايفه مكنش راكب مع اللي كان متوقعه.
كتب البيانات تاني، المرة دي بحرص وتركيز أكتر، كأن الدقة
ممكن تصلح الغلط اللي حصل. بس النظام رد بنفس الطريقة بالظبط.
وفي اللحظة دي، النمط انكسر.
عادل ميل لقدام أكتر، ونفسه بدأ يهدأ ويبطأ وهو بيدرس الأرقام اللي على الشاشة. الأرقام مكنتش بس غريبة، دي كانت مستحيلة! أرقام خيالية بره حدود أي حاجة المفروض تكون موجودة، وكل ما يبحلق فيها أكتر، كل ما يحس إنها ملهاش أي معنى منطقي.
وراه، البنك مكمل ريتمه العادي، بس فيه حاجة بدأت تتحول تحت السطح فعلاً. الاهتمام مابيجيبش مرة واحدة، بيبني بهدوء قبل ما ينتشر ويسمّع في المكان كله.
دخل البيانات تالت، وبيراجع كل تفصيلة مرتين، بيتمنى إن الغلط يكون غلطه هو. كان أسهل بالنسباله إنه يشك في نفسه على إنه يقبل اللي النظام بيعرضه.
بس مفيش حاجة اتغيرت.
الأرقام فضلت زي ما هي بالظبط، هادية ومتأكدة، كأن معندهاش سبب يشكك في نفسها حتى لو هو شك.
التغيير في ملامح عادل جه ببطء بس كان واضح جداً. الحيرة مابتضربش مرة واحدة، بتبني طبقة فوق طبقة لحد ما يبقى من المستحيل إنك تتجاهلها.
إيديه بدأت تترعش شوية، رعشة بسيطة ميبانش للناس التانية لسه، بس كانت كفاية إنه يحس بيها، والتفصيلة الصغيرة دي خلت كل حاجة تبان حقيقية وفجأة.
فرد أمن كان قريب لاحظ السكتة دي، الوقوف والثبات بيبان قوي في
مكان مبني على الحركة والشغل. ورغم
تم نسخ الرابط