امي اهنتني حكايات صافي هاني
أمي بهدلتني قدام 25 واحد من قرايبنا.. قالتلي انتي مش جزء من العيلة دي، وم لكيش مكان على السفرة دي!.. رفعت كوباية المية بهدوء وقلت تمام جداً.. يبقى محدش يطلب مني مليم بعد كدة.. كلهم ضحكوا وافتكروني بهزر، لحد تاني يوم الصبح...
السفرة في بيت أمي الفخم كانت لوحة مرسومة من المنظرة الكدابة.. كان يوم عقيقة ابن خالي، والبيت متستت ب 25 فرد من القرايب محشورين حوالين سفرة خشب تقيلة، بتئن من وزن الأكل بط، وحمام، ورقاق، وأصناف ما تخلصش، وعصاير مستوردة غالية.
على رأس السفرة كانت قاعدة أمي إلهام، لابسة عقد لولي وابتسامة كلها حسابات.. رفعت كوبايتها وبدأت تتباهى بصوت عالي بأخويا الكبير أحمد؛ اللي شغال مدير متوسط في شركة، وبيموت في لبس البراندات، رغم إن ديونه مغرقة القعدة.
أحمد يا جماعة أرقامه في الشغل خيالية!.. إلهام قالتها وهي وشها منور.. المدير بتاعه كان بيبوس إيده عشان ما ياخدش إجازة، الشركة هتقع من غيره!
أحمد ابتسم وهو بيعدل الساعة بتاعته والله يا ماما شيل تقيل، بس لازم حد يشيل الليلة.
أنا كنت قاعدة في آخر السفرة، جنب باب المطبخ، بشرب مية بهدوء.. عندي 29 سنة، طالع عيني 16 ساعة شغل في اليوم عشان أكبر شركتي الخاصة بمجال البرمجيات وتأمين البيانات.
محدش سألني شركتك
اللي ال 25 واحد اللي بياكلوا الحمام ده مايعرفهوش هو إن كل حتة لحمة، كل نقطة عصير، الورد اللي مالي المكان، حتى السقف اللي مداريهم.. كله مدفوع من جيبي أنا.
كل أول شهر، فيه تحويل تلقائي ب 50 ألف جنيه بيخرج من حساب شركتي لحساب إلهام عشان تغطي قسط الفيلا اللي مابتعرفش تدفعه.. فاتورة العزومة دي اللي دخلت في 30 ألف جنيه اندفعت بفيزا المشتريات بتاعتي من أسبوعين.. أنا اللي ضامنة أخويا أحمد في قسط العربيّة ال BMW.. أنا اللي دافعة اشتراك الموبايلات والنت للعيلة كلها.
كنت أنا المحرك المالي الضخم والمستخبي اللي مانع الوهم ده كله إنه ينهار ويتحول لفقر مدقع.. كنت بعمل كدة على أمل إن تضحيتي تشتريلي مكان في قلب أمي في الآخر.
بس كنت غلطانة.. وغلطانة قوي كمان.
لما جه وقت الحلو، أمي خبطت بالمعلقة الفضة على كوباية الكريستال.. الصمت ساد المكان.. بدأت تمدح في الناجحين في العيلة، وبعدين عينيها نزلت ببطء لحد ما وصلتلي، زي القناص اللي حدد هدفه.
وبعدين.. إلهام اتنهدت، ووشها الناعم اتقلب لجمود وغل عندنا رنا.
الكل كتم نفسه.
قاعدة زي قلتها في آخر السفرة.. أمي قالتها بسخرية وقرف يا رنا، انتي مابتعمليش حاجة مفيدة في القعدة، معندكيش طموح، قاعدة بس
خدت رشفة من عصيرها وعينيها بتلمع بفرحة غريبة وهي بتديني الضربة القاضية بصراحة يا رنا، انتي ماتستحقيش مكان على السفرة دي.
خالي كتم ضحكته في المنديل.. وأحمد أخويا ابتسم بشفقة وتعالي.. وضحكات مكتومة بدأت تطلع من ال 25 واحد اللي قاعدين.. أهلي من دمي ولحمي بيضحكوا على إهانتي العلنية، وهم بيهضموا أكل بآلاف الجنيهات أنا اللي حاسبة عليه.
وشي ما احمرّش.. ما صرختش.. في لحظة واحدة، الرغبة اللي بقالها 30 سنة في إني اتحب من أمي اتبخرت، وحل محلها برود رهيب مرعب.
مسكت كوباية المية وابتسمت.. ابتسامة حقيقية ورايقة لدرجة إنها وترت أعصاب أحمد أخويا.
تمام جداً.. قلتها بهدوء خلى الهوا في الأوضة يتجمد.. وبصيت في عين إلهام مباشرة يبقى محدش يطلب مني مليم بعد كدة.
قمت من على السفرة بكل رزانة، سحبت شنطتي وخرجت والضحك لسه شغال ورايا.. هما فاكرين إن المنفعة اللي بياخدوها دي حق مكتسب، أو إن مالي ده مال سايب.. مايعرفوش إن الصبح مش بس الشمس اللي هتطلع.. الصبح فيه شيكات هتترفض، وفيزا هتتقفل، وقسط هيتأخر، والفيلا اللي هما قاعدين فيها دي.. أنا أول واحدة هعرضها للبيع.
اللي جاي مش مجرد درس.. اللي جاي هو الانهيار اللي هما بنوه بإيديهم، وأنا بس قررت
كنت قاعدة في مكتبي، بشرب القهوة بتاعتي في هدوء تام، وقدامي اللاب توب.. بضغطة Enter واحدة، كنت وقفت كل التحويلات البنكية، ولغيت الفيزا اللي مع أمي، وعملت إيقاف لخطوط الموبايلات البريميوم اللي العيلة كلها ماشية تتمنظر بيها.
أول مكالمة كانت من أحمد.. رديت ببرود
إيه يا حمادة؟ على الصبح كدة؟
أحمد صوته كان مرعوب رنا! أنا واقف في البنزينة والفيزا اترفضت، والراجل حرجني قدام الناس.. شوفي العطل ده من إيه بسرعة!
رديت عليه بضحكة خفيفة مفيش عطل يا حبيبي.. مش أنا ماليش مكان على السفرة؟ يبقى أكيد ماليش مكان في تانك العربية بتاعتك.. ابقى خلي طموحك يدفعلك الحساب. وقفت في وشه الخط.
عشر دقائق، والبيت كله اتقلب.. أمي اتصلت، صوتها كان زلزال
انتي اتجننتي يا بت؟ البنك كلمني بيقولي إن قسط الفيلا ماراحش، والموبايل بتاعي اتقطع.. انتي فاكرة نفسك بتلوي دراعنا؟
قلت لها بكل ثبات
بصي يا ست الكل.. انتي قلتي إني باخد مساحة على الفاضي.. فقررت أوفر لك المساحة دي، ووفرت معاها فلوسي.. العزومة اللي كلتوها دي كانت آخر مليم يخرج مني للبيت ده.. الفيلا دي قدامك شهر وتخليها، لأني هعرضها للبيع، وأحمد يشوف له حد غيري