هناء حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

الراجل اللي رجع في عز الضهر
الانتظار على باب هناء كان أتقل من الهم، وأخنق من السكوت اللي بيقطعه بس صوت تزييق القلل. الحارة كانت هادية هدوء يسبق العاصفة، لحد ما ظهرت العربية السوداء الفخمة.. عربية غريبة عن المكان، ماشية ببطء مرعب لدرجة إن هناء افتكرت إن ده خيالات من التعب.
كانت واقفة في حوش بيتها القديم، شمرت كمامها، وإيديها باشت واحمرت من كتر الغسيل والكلور.. كانت منحنية على طشت غسيل نحاس قديم لما الضل غطى المكان. في لحظة مكنش فيه غير صهد الصيف، وصوت راديو بعيد بيجيب أخبار الضهر، وعيون الجيران اللي حفظت تفاصيل ضهرها من كتر المراقبة. وفجأة.. وقفت العربية الفامييه قدام باب بيتها المخلع.
في حارة زي دي، عربية بالشكل ده مش مجرد وسيلة مواصلات.. دي مصيبة أو فضيحة جديدة.
هناء قامت ببطء، والمية بتنقط من كوعها. وعلى الناحية التانية من الشارع، طرف ستارة اتهز.. وشباك اتفتح مواربة.. أم فلان اللي بقالها سنين بتبتسم في وشها صفار وبتاكل في فروتها من وراها، خرجت برأسها من البلكونة كأنها مستنية الوليمة.
الحارة مابتصدق تلاقي لبانة تعيد وتزيد فيها، وبقالهم عشر سنين هناء وابنها ياسين هما اللبانة دي. الهمسات بدأت تشتغل زي سبرتاية النار
يا ترى ده مين؟
تلقيها لقطت لها قرشين من حد تقيل!
ولا يمكن الماضي اللي هربت منه جه يطالب بالحساب؟
هناء نفضت كل ده من دماغها زي ما اتعودت تنفض الجوع والوجع.. السكوت بقى درعها اللي بتحارب بيه نغزات الكلام، ورفعة الحواجب، والعزلة اللي فرضتها الحارة عليها من يوم ما شالت ابنها على دراعها.
كل ده يهون عشان خاطر ضحكة جاية من جوه البيت.. ضحكة ياسين.
عشر سنين.. واد نمس، لماح، وعينه فيها

ذكاء يوجع القلب.. وشه كان فيه سر هي عمرها ما نطقته. كانت بتوديه المدرسة كل يوم وهي رافعة راسها للسما، رغم إن الشفقة المسمومة كانت بتمشي وراهم في كل خطوة
يا عيني يا ابني.. يتيم الأب.
عشر سنين ولسه مش عارفين أبوه ده مين ولا جه منين!
هناء شقيت في الدنيا.. من الفجر تفتح نصبة شاي صغيرة في الميدان، تمسح الطرابيزات وتغلي الكنك قبل ما حد يصحى. وفي الظهر تشيل صواني لحد ما عصب إيديها يسيب. وبالليل تنظف بيوت ناس مبسوطة، بتلمع بلاط ناس عمرهم ما هيقبلوا ابنها وسطهم.
وكل ليلة، لما ترجع مهدودة، ياسين يروح يطبطب عليها تعبانة يا ماما؟
كانت ترد بنفس الكلمة شوية يا حبيبي.. بس مفيش تعب يهم طالما أنت جنبي.
فضلت صامدة، لحد الشتا اللي فات.. لما سألها السؤال اللي كانت بتهرب منه من يوم ولادته. كان قاعد يذاكر على ضوء لمبة ضعيفة، والجو برد، وفجأة رفع عينه وقالها
يا ماما.. هو أنا ليه معنديش أب زي بقية العيال؟
اللحظة دي، حاجة جوه هناء اتكسرت.. شرخ غويط ملوش علاج. نزلت لمستواه وحاولت تبتسم وهي بتقوله أبوك اضطر يبعد يا حبيبي.. بس هو حبك من قبل ما يشوفك.
الواد بص لها بنظرة كبار، نظرة حد عارف إن فيه حتة ناقصة في الحكاية، وقال طيب هيرجع؟
هنا لسانها عجز.. وقالتله بصوت مخنوق العلم عند الله.
اللي هي مخبياه، إنها من عشر سنين مكنتش تعرف حتى اسمه بالكامل!
كانت ليلة مطر تغرق الشوارع، وهي مروحة من وردية المقهى المتأخرة، والميكروباص عطل بيها في طريق مقطوع. الخوف أكلها.. لا تليفون ولا حد ماشي.. وفجأة نورت كشافات عربية نقل قديمة.
نزل منها راجل، ملامحه كانت حادة بس صوته كان هادي يطمن الخايف.
أنتي كويسة يا أبلة؟
كان شاب، لا هو صغير
ولا هو عجوز.. طويل، شعره أسود، وكلامه موزون بالمللي كأنه بيقيس الكلمة قبل ما تطلع. ساعدها ووصلها لأقرب استراحة على الطريق، وفضلوا مستنيين المطر يهدى لحد الفجر.
ساعتها، الغريب بيفضفض للغريب أكتر من القريب.. حكت له عن طوب الأرض، وهو حكى قشور عن سفره وشغله وندم قديم في عينه. ولما الصبح شقشق، بص لها بصه غريبة، كأنه لقى حاجة مكنش عامل حسابها.
ومشي..
ساب لها فلوس أمانة ومشي.. لا رقم تليفون، ولا عنوان، ولا حتى اسم غير اسم واحد بس قاله في وسط الكلام عمر.
وبعدها عرفت إنها حامل.. وبحثت عنه في كل مكان لدرجة إن الأمل بقى كسرة نفس، لحد ما فهمت إن فيه معجزات مابتتكررش مرتين.
دلوقتي، وبعد عشر سنين.. العربية السوداء وقفت، والباب اتفتح.
نزل منه راجل ببدلة شيك جداً، وساعة بتلمع تحت الشمس.. ملامحه كبرت، وبقت أقسى، بس هي عارفاها كويس.. لأن الذاكرة مابتنساش الوجع.
نفس الواقفة، نفس نظرة العين.. السكون اللي قبل الكلام.
هناء نفسها انقطع.. والكلور طار من ريحة مناخيرها ومبقاش فيه غير ريحته هو..
الراجل قرب خطوة وقال بصوت مكنش غريب عليها
هناء؟
هناء كانت حاسة إن الأرض بتلف بيها، طشت الغسيل اللي بين إيديها كان هيقع لولا إنها سنده جسمها بالعافية على الحيطة. الحارة كلها كانت مربعة ودانها، حتى الهوا مكنش بيمشي عشان ميفوتش كلمة واحدة.
عمر؟.. الكلمة طلعت منها زي النفس المحبوس من سنين.
قرب خطوة كمان، وعينه بتلف في المكان بذهول، كأنه مش مصدق إن دي هناء اللي سابها بنت صغيرة بضفاير، بقت ست شقيانة، ملامحها مرسومة بالتعب، وإيديها خشنة من غسيل هدوم الناس.
عشر سنين يا هناء.. عشر سنين بدور عليكي في كل وشوش الدنيا.
ضحكت هناء ضحكة
مريرة، ضحكة فيها وجع يهد جبال
بتدور عليا؟ دلوقتي افتكرت إن ليك هنا أمانة؟ الحارة دي نهشت في لحمي، والناس دي مكنش وراهم سيرة غيري.. كنت فين لما ابني سألني أنا ابن مين وملقتش رد أبل بيه ريقه؟
عمر نزل عينه في الأرض، ومن وسط جيب البدلة الغالية، طلع ظرف وبدأ يتكلم وصوته فيه رعشة مكنتش موجودة زمان
الليلة اللي سيبتك فيها، عملت حادثة.. دخلت في غيبوبة شهور، ولما فقت، مكنتش فاكر غير اسمك الأولاني.. السنين دي كلها كنت ببني نفسي عشان لما ألاقيكي، مرجعلكيش وإيدي فاضية.
وفجأة.. الباب المخلع اتفتح بالراحة.
خرج ياسين.. كان لابس قميص المدرسة المكوي بالعافية، وبص للراجل الغريب بعيون فوارس.. عيون مفيهاش خوف، لكن فيها سؤال كبير.
عمر أول ما شاف الواد، جسمه اتنفض.. كأنه بيشوف نفسه في مراية رجعت بيه عشر سنين لورا. نفس العصب، نفس النظرة الحادة، وحتى الشامة اللي عند دقنه.
هو ده يا ماما؟.. ياسين سأل بصوت هادي وواثق.
هناء بصت لعمر، وبصت لابنها.. الحارة كلها كانت مستنية فضيحة، بس هناء قررت تقفل الصفحة دي بطريقتها.
أيوه يا ياسين.. ده أبوك اللي قولتلك إنه كان مسافر، ورجع النهاردة عشان ياخدنا.
الحارة اتخرست.. الستات اللي كانوا باصين من ورا الستائر اتصدموا.. عمر مشي ناحية ياسين ونزل على ركبه في وسط تراب الحارة، مش فارق معاه البدلة ولا المنظر، وحضن الواد حضنة كان بيحلم بيها من عمر فات.
عمر رفع راسه لهناء وقال بلهجة فيها أمر بس مليان حنية
لمي هدومك وهدوم الواد يا هناء.. الحارة دي خلاص مبقاش ليها مكان في حياتنا.. الحساب اتصفى، والحق رجع لأصحابه.
هناء سابت طشت الغسيل مكانه، ومسحت إيديها في مريلتها، ودخلت بيتها وهي رافعة
راسها لأول مرة من عشر سنين.. العربية السوداء اللي
تم نسخ الرابط