هناء حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

جاية في الطريق.
في نص الليل، القصر كان هادي جداً، بس عمر مكنش نايم. كان قاعد في المكتب، وقدامه شاشات المراقبة، وفجأة.. شاف خيال بيتحرك عند سور الجنينة الوراني. عمر سحب طبنشته من درج المكتب وخرج زي البرق.
عند السور، لقى واحد متلطم، كان لسه هيطمر جوه الجنينة. عمر مسكه من رقبتها وزقه على الحيطة
انطق يا روح أمك! مين اللي بعتك؟ ومين اللي كلمني الصبح؟
الراجل كان بيترعش أنا مليش دعوة يا باشا.. أنا قالي حط الظرف ده قدام باب الجناح بتاع الست هناء واجري.. والله ما أعرف أكتر من كدة!
عمر أخد منه الظرف وطرده برا، وفتحه بسرعة تحت ضوء كشاف الجنينة. لقى جواه صورة قديمة لهناء وهي بتغسل في الحارة، ومكتوب وراها بالدم الدهب مهما اتلمع، أصله نحاس.. والسر اللي هناء مخبياه عنك أغلى من حياة ابنك.
عمر حس بنغزة في قلبه.. سر إيه؟ هناء مكنش عندها أسرار غير فقرها وتعبها. رجع الجناح بسرعة، لقى هناء واقفة قدام الشباك، وشها شاحب زي الأموات.
عمر.. أنت لسه بتثق فيّ؟.. سألته وصوتها متهدج.
عمر استغرب أكيد يا هناء، إيه السؤال ده دلوقتي؟
هناء لفت وبصت له، وطلعت من جيبها مفتاح قديم مصدي
الراجل اللي خبطت عربيتك ليلتها.. عمر، مكنش صدفة. أنا مكنتش مروحة من الشغل.. أنا كنت هاربة. هاربة من حد كان عاوز يقتلني عشان الورقة اللي المفتاح ده بيفتح صندوقها.
عمر انصدم ورقة إيه يا هناء؟
ورقة تثبت إن خالد ابن عمك، هو اللي رتب حادثتك من عشر سنين عشان يخلص منك.. والورقة دي كانت مع أبويا الله يرحمه، وهو اللي دفع حياته تمن ليها.
في اللحظة دي، النور قطع عن القصر كله.. وصوت سارينة إنذار ضربت.
صوت خالد رن في مكبرات صوت الجنينة
سمعتي الحكاية يا هناء؟ طب كمليها بقى لعمر وهو بيموت.. القصر ده متلغم يا ابن عمي، والورقة اللي معاكي هتحرقوها وأنتم جوا!
عمر سحب هناء لحضنه وياسين صحي مرعوب ماما! في إيه؟
عمر بص لهناء بعيون فيها شرار
خالد فاكر إنه لسه بيلاعب عيل.. هو بدأ الحرب، وأنا اللي هنهيها.
عمر شال ياسين على كتفه ومسك إيد هناء فيه سرداب تحت المكتب ده، بيطلع على الجنينة البراوية.. اهربوا من هناك، وأنا هجيب حقنا وحق أبوكي.
هناء مسكت في قميصه بلهفة مش هسيبك يا عمر.. يا نعيش سوا يا نموت سوا.
عمر باس راسها اللي اتكتب له عمر في الحادثة الأولى، ميموتش في التانية.. انطلقي يا هناء، وخلي ابن الشافعي في أمان.

هناء نزلت السرداب وهي بتبكي، وعمر وقف في نص الصالة، فك زراير قميصه، وسحب الزناد.. وهو مستني اللحظة اللي خالد هيدخل فيها عشان يواجه الغول اللي صحاه من نومه.
وفجأة.. صوت انفجار هز المكان، بس مكنش من القصر.. كان من عربية خالد اللي كانت واقفة برا!
عمر جري على الشباك، لقى رجالة الحارة بتوع زمان، مجمعين ومعاهم شوم وعصيان، ومعاهم أم فلان اللي كانت بتراقب هناء، واقفة وبتقول بصوت عالي
هناء بنتنا.. واللي يمس شعرة منها أو من جوزها، ناكله بسناننا! إحنا اه رغينا عليها، بس منسمحش لغريب يلمسها!
الحارة كلها كانت واقفة ضهر لهناء وعمر، وخالد كان مرمي على الأرض بين إيديهم متستت.
عمر ضحك بوجع وفرحة، وبص للسما سبحان الله يا هناء.. الحارة اللي كانت سجنك، بقت هي جيشك.
هناء طلعت من السرداب، وبصت للناس اللي كانت بتخاف منهم، ورفعت راسها وقالت
النهاردة بس.. عرفت يعني إيه أصل.
وانتهت الليلة والكل متجمع في جنينة القصر، بس المرة دي مكنش فيه هوانم وشغالات.. كان فيه أهل بيحموا بعض، وعمر كتب كتاب هناء رسمي وسط زغاريد هزت السما، وياسين قاعد في حضن أبوه، مملكش الدنيا غير اللحظة دي.
بعد ما الزغاريد ملأت السما، والكل افتكر إن الحكاية خلصت على النهاية السعيدة، عمر وقف وسط الجنينة ورفع إيد هناء قدام الكل، وقال بصوت واثق الليلة دي يا رجالة الحارة، العشا على حسابي في الميدان الكبير.. هناء مش بس بنتكم، دي شرف عيلة الشافعي.
الناس بدأت تنسحب وهما بيدعوا لهناء بالستر، وخالد اتسلم للشرطة وهو بيجر أذيال الخيبة. عمر أخد هناء وياسين ودخلوا القصر اللي بدأ النور يرجعله تدريجيًا.
عمر بص لهناء وقالها أنا لازم أشوف الورقة اللي أبوكي ضحى بحياته عشانها.. المفتاح ده مكانه فين يا هناء؟
هناء بصه في عينه بقلق المفتاح ده بيفتح صندوق في الترب.. في حوش أبويا.. قال لي يومها يا بنتي، لو الدنيا ضاقت بيكي، السر اللي يعزك مدفون معايا.
عمر من غير تفكير نلبس ونروح دلوقتي.. خالد مش لوحده، فيه حيتان كبيرة كانت بتلعب معاه، والورقة دي هي اللي هتشنقهم كلهم.
وصلوا المقابر في نص الليل، الجو كان هسس، وصوت الهوا بين الشجر بيعمل صفير يخلي القلب يقبض. هناء كانت شايلة ياسين اللي نام على كتفها، وعمر بدأ يحفر في المكان اللي شاورت عليه هناء.
فجأة.. صوت تعمير سلاح جه من وراهم.
كنت عارف إنك هتيجي هنا يا عمر.. الغبي دايماً
بيدور على الحقيقة في المكان الغلط.
عمر لف ببطء، لقى المحامي بتاع العيلة، متربي وسطهم وبياكل معاهم عيش وملح.. بس المرة دي كان ماسك طبنجة وموجهها لراس ياسين وهو نايم.
عمر صرخ بصوت مكتوم حتى أنت يا متر؟ أنت اللي كنت بتدير أملاكنا!
المحامي ضحك بشر خالد كان مجرد عيل بنفذ بيه، لكن الورقة اللي معاك دي فيها أسماء وزراء ورجال أعمال شاركوا في غسيل أموال بمليارات.. لو الورقة دي طلعت، الكل هيقع، وأنا أولهم.
هناء في اللحظة دي، وبمنتهى الثبات اللي اتعلمته من شقى السنين، سابت ياسين بالراحة على الأرض، ووقفت قدام عمر والمحامي.. وقالت بصوت هادي يرعب
أنت فاكر إنك بتهددنا؟ أنا اللي عاشت عشر سنين بتغسل هدوم الناس عشان لقمة العيش، مبيخوفهاش الموت.. بس أنت اللي خايف.. خايف لأنك عارف إن الحقيقة زي المية، بتخرج من تحت الأرض مهما دفنتها.
المحامي إيده اترعشت هاتي المفتاح يا هناء.. وإلا وربي هخلص على الواد!
عمر كان بيقرب منه ملم بلم، والمحامي مشتت بينه وبين هناء. وفجأة، هناء صرخت صرخة زلزلت المكان.. وفي نفس اللحظة، ياسين صحي وصرخ هو كمان. المحامي اتخض، وفي ثانية كان عمر طار عليه بضربة رجل وقعت السلاح من إيده، ونزل فيه ضرب لحد ما خلاه مبيطقش كلمة.
عمر طلع الصندوق، وفتحه بالمفتاح المصدي.. لقى جواه فلاشة وورقة مكتوبة بخط إيد أبو هناء، فيها كل الأدلة.
عمر بص لهناء وقالها أبوكي كان بطل يا هناء.. هو مكنش بيحمي ورقة، هو كان بيحمي بلد من ناس معندهاش ضمير.
رجعوا القصر، والفجر بيشقشق.. عمر سلم الفلاشة للجهات المسؤولة، وفي ظرف ساعات، كانت الدنيا مقلوبة، والقبض شغال على كل الحيتان.
الصبح طلع، وهناء واقفة في بلكونة القصر، باصة للشمس وهي طالعة. عمر جه من وراها وحضنها، وهمس في ودنها
خلاص يا ملكة.. مفيش هروب تاني، ومفيش غسيل تاني.. مفيش غير أنا وأنتي وياسين.. والبيت ده ملوش غير ست واحدة، هي هناء.
ياسين جه جري عليهم وهو لابس بدلة صغيرة شبه بدلة أبوه بابا.. ينفع أروح المدرسة بالعربية
السوداء الكبيرة النهاردة؟
عمر ضحك وشاله تروح بيها، وتخلي السواق يستناك.. عشان الكل يعرف إن ابن الشافعي رجع، وإن بنت الحارة هي اللي ربته وبقت ست الهوانم.
وخلص المشهد وهناء بتبتسم للسما، وهي عارفة إن اللي بيصبر وبينحت في الصخر، ربنا مبيضيعش أجره أبدًا.. والحارة اللي كانت بتبصلها بشفقة، النهاردة بتبصلها
بفخر.
الحياة استقرت في القصر، وبقت هناء هي الكلمة الأولى والأخيرة فيه. بس الماضي اللي سكن الحارة عشر سنين مكنش لسه ساب عقلها. كانت قاعدة في الجنينة، وباصة لياسين وهو بيلعب كورة مع عمر، والضحكة مالية المكان، وفجأة دخلت الدادة ومعاها ظرف أسود فخم.
هناء فتحته، ولقت جواه دعوة لحفلة كبيرة، وبصت في الورقة ولقت مكتوب عيلة الشافعي بتتشرف بدعوة الأهل والجيران للاحتفال برجوع الوريث.. والاعتذار لست الكل.
هناء استغربت، وبصت لعمر إيه ده يا عمر؟ احتفال إيه واعتذار إيه؟
عمر قرب منها وباس إيدها الحارة يا هناء.. أنا قررت أشتري بيت العيلة القديم اللي في أول الحارة وأحوله ل مؤسسة هناء الشافعي لتعليم الستات الشقيانة مهن وحرف.. والنهاردة، الحارة كلها جاية هنا عشان نحتفل بيكي.
هناء دمعت أنت بتعمل كل ده عشاني؟
عمر ده قليل عليكي.. أنا عاوز الناس اللي بصت لك نظرة وحشة، هما اللي ييجوا يباركوا ليكي على الخير اللي هتعمليه ليهم.
وبالفعل، القصر اتملى بناس من الحارة.. أم فلان دخلت وهي مكسوفة، وأول ما شافت هناء، جريت عليها وحضنتها سامحينا يا بنتي، كنا عقولنا صغيرة.. أنتي شرفتينا ورفعتي راسنا.
هناء بقلبها الأبيض، قدمت ليهم الأكل والشرب بنفسها، كأنها لسه بنت الحارة الجدعة، مغيرهاش العز ولا القصور.
وفي وسط الزحمة، ياسين جه جري على أمه وهو ماسك ميدالية صغيرة ماما.. بصي، بابا عملي دي، مكتوب عليها ياسين عمر.. حامي عيلة الشافعي.
عمر وقف وسط الناس ورفع صوته يا جماعة، الليلة دي مش بس احتفال.. الليلة دي إعلان إن اللي يمس هناء أو ياسين، كأنه مس عمر الشافعي في عرضه.. والبيت ده مفتوح لكل واحد محتاج من الحارة، بفضل الست اللي شقيت عشان تبني راجل.
الحفلة خلصت، والهدوء رجع للقصر. هناء وعمر وقفوا في البلكونة الكبيرة، وياسين نايم في حضنهم. هناء بصت للقمر وقالت
عارف يا عمر.. أنا كنت فاكرة إن المطر اللي نزل ليلتها كان نحس عليا.. مكنتش أعرف إنه كان بيغسل حياتي القديمة عشان يزرع فيها عمر وياسين.
عمر ضمها بقوة والمطر ده يا هناء، هيفضل يروي حبنا طول العمر.
وانتهت الحكاية ب صورة اتعلقت في صدر القصر.. مش صورة لهناء بالتاج والماس، لا.. دي كانت صورتها وهي بتمسح عرقها في الحارة، ومكتوب تحتها الأصل مبيتعوضش.. والشقاء هو اللي بيصنع الملوك.
حبايبي الحلوين هذه القصص كلها لا تمت للواقع بصله ولا تمثلنا
كمسلمين او حتي مسيحين هذه متاخده من احداث اجنبيه
حكايات صافي هاني

تم نسخ الرابط