شماتة الموت حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

شوفي المستشفى اللي كنتي بتحلمي بيها فين، والأرض هتشتريها بكرة. بس قبل أي حاجة.. اطلبيلي كوافير ولبس شيك، أنا هخرج من هنا على النيابة، عايزة عاصم يشوفني وأنا في عز قوتي وهو ورا القضبان، عشان يعرف إن الست المصرية لما بتقرر تاخد حقها.. مبيوقفهاش حتى الموت.
عبلة قامت من سرير المستشفى كأنها عنقاء قايمة من وسط الرماد. الكوافير جهزها، ولبست طقم أسود شيك جداً، وحطت روج أحمر قوي كأنه لون النصر. خرجت من المستشفى بخطوات ثابتة، والناس كلها بتبص عليها بذهول.. الست اللي كانت بتموت من يومين، دلوقتي ماشية تهز الأرض.
وصلت النيابة، وكان عاصم قاعد على الكرسي، شعره منكوش، ووشه باهت، والكلبشات في إيده. أول ما شافها، عينيه برقت ورجع لورا بالكرسي عبلة! إنتي.. إنتي جيتي إزاي؟
عبلة قعدت قدامه بمنتهى الهدوء، حطت رجل على رجل، وبصت له من فوق النضارة السوداء
جيت أشوف نهايتك يا عاصم. جيت أشوف السبع اللي كان مستني موتي عشان يورث الشقة والأسهم. قولي بقى.. إيه رأيك في القعدة دي؟ تليق بيك أوي.
عاصم بدأ ينهار عبلة، أنا عملت كدة عشان بحبك، كنت خايف تضيعي مني، والفلوس دي كانت عشان نعيش سوا..
ضحكت عبلة ضحكة رنت في الأوضة كلها بتحبني؟ ده إنت حتى الورد اللي جبتهولي كنت بكرهه! إنت مكنتش عارف عني أي حاجة غير رقم حسابي في البنك. بس أحب
أبشرك، صافي سكرتيرتك العزيزة قامت بالواجب، وقالت كل حاجة.. من أول سم الفئران اللي كنت بتحطه في الدوا، لحد الشاليه اللي كنت ناوي تشتريه بفلوسي وتتجوزها فيه.
عاصم وشه جاب ألوان، وبص لوكيل النيابة وقال دي بتتبلى عليا! دي مجنونة!
وكيل النيابة رد ببرود المجنونة دي يا أستاذ عاصم قدمت تسجيلات بصوتك وإنت بتعترف بكل حاجة وإنت فاكرها غايبة عن الوعي، وقدمت روشتات مزورة، وشهادة السكرتيرة، وفوق ده كله.. تقرير المعمل الجنائي عن أزايز الدوا اللي في بيتكم.
عبلة قامت وقربت من ودنه ووشوشته بنفس الطريقة اللي وشوشها بيها في المستشفى
الشقة اللي في التجمع، والأسهم، وحسابات جنيف.. كلهم بقوا ملك مؤسسة عبلة للأيتام. إنت مش بس خسرتني، إنت خسرت حتى القرش اللي كنت بتحلم بيه. متبقيش ليك غير تلات أيام يا عاصم.. بس المرة دي تلات أيام قبل ما تترحل على سجن طرة وتقضي بقية عمرك هناك.
سابته وخرجت، وعاصم فضل يصرخ ويخبط في الأرض زي الطفل الصغير اللي اتخدت منه لعبته.
بره في الطرقة، قابلت الدكتورة إيمان والمحامي. المحامي قال لها كله تمام يا مدام عبلة، القضية اتقفلت ضده محاولة قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد.
عبلة خدت نفس عميق، وبصت للدكتورة إيمان وقالت لها يلا بينا يا دكتورة، النهاردة هنروح نمضي عقد المستشفى الجديدة بتاعتك. الدنيا لسه
فيها خير، ولازم نزرع ورد حقيقي مكان الورد البلاستيك اللي عاصم كان جايبه.
وهي بتركب عربيتها، بصت لآخر مرة على مبنى النيابة، وقلعت النضارة وقالت بابتسامة
الدرس انتهى يا عاصم.. الست مش بس قلب، الست مخ وعقل، ولما بتقرر تقلب الصفحة.. بتحرق الكتاب كله.
وداست بنزين وطارت عربيتها في شوارع القاهرة، وهي بتبدأ أول يوم في حياتها الحقيقية.
بعد ما عبلة خلصت إجراءات المستشفى للدكتورة إيمان، وفلوسها رجعت تحت سيطرتها بالكامل، قررت تعمل حركة أخيرة تعلّم على عاصم وهو جوه السجن.
طلبت من المحامي يروح يزوره في السجن ويديله ظرف مقفول. عاصم أول ما شاف المحامي، افتكر إن عبلة حنت عليه وهتطلعه، فتح الظرف بلهفة.. لقى جواه حاجة واحدة صورة بوكيه الورد الزنابق البيضاء اللي كان جايبهولها وهو مستني موتها، ومكتوب ورا الصورة الورد ده دبل يا عاصم، بس أنا اللي طرحت من جديد.. والهدية اللي بجد هتلاقيها عند المحضر.
في نفس اللحظة، دخل المحضر لعاصم في الزنزانة وبلغه رسمياً مدام عبلة رفعت عليك قضية خلع، واتنازلت عن كل حقوقها.. عشان مش عايزة يربطها بيك حتى مجرد لقب مطلقة.
عاصم قعد في الأرض وهو مذهول، لقى نفسه خسر الست، والفلوس، والحرية، وحتى كرامته قدام السكرتيرة اللي باعته في أول قلم.
مرت سنة..
في حي شعبي بسيط، كانت فيه مستشفى كبيرة بتفتح
أبوابها لأول مرة، يافطة ضخمة مكتوب عليها مستشفى الأمل إدارة دكتورة إيمان.
عبلة كانت واقفة في الافتتاح، بس المرة دي كانت مغيرت اللووك تماماً، قصت شعرها قصة جريئة، ولبست ألوان مبهجة. مكنتش لوحدها، كان معاها مجموعة من الستات اللي اتعرضوا لغدر أو عنف، وقررت إنها تخصص جزء من ثروتها عشان تعمل مركز تأهيل جوه المستشفى يعلمهم إزاي يبقوا أقوياء وياخدوا حقهم بالقانون.
قربت منها إيمان وقالتلها مش مصدقة إننا عملنا كل ده في سنة واحدة يا مدام عبلة.
عبلة بصت للناس الغلابة اللي داخلين يتعالجوا وقالتلها يا إيمان، الوجع لما بيتحول لطاقة بيبني قصور. أنا عشت عمري كله فاكرة إن الفلوس هي اللي بتحميني، بس اكتشفت إن عقلي ووقفتي جنب ولاد الأصول اللي زيك هما اللي حموني بجد.
تليفونها رن.. كان المحامي.
أيوة يا متر.. بشارة خير؟
المحامي الحكم النهائي صدر يا ست هانم.. مؤبد مع الشغل والنفاذ، وكل الطعون اترفضت.
عبلة قفلت السكة، وخدت نفس عميق، وبصت للسما وهي حاسة إن روحها بقت خفيفة. مكنتش محتاجة تنتقم أكتر من كدة، لأن أكبر انتقام هو إنها تعيش سعيدة وناجحة وهو بيتفرج
عليها من ورا القضبان.
رمت مفاتيح عربيتها لإيمان وقالتلها بضحكة مصرية أصيلة يلا بينا يا دكتورة، العزومة النهاردة عندي.. هنحتفل إننا قفلنا الحساب القديم، وفتحنا حساب جديد
مع الحياة.. حساب كله مكسب وبس!
تمت.

تم نسخ الرابط