عودة الابنه المختفيه حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

بنتي اللي اختفت من 5 سنين رجعت.. بس لقيت رسالة معاها مكتوب فيها ماتخليش بابا يدخل.
الطفلة كانت محطوطة قدام باب البيت، متغطية بجاكيت بنتي اللي بقالها سنين غايبة.
وفي اللحظة اللي قريت فيها الورقة اللي في الجيب، عرفت إن جوزي مش بس كدب عليا في موضوع اختفائها.. ده غالباً هو اللي بنى الكابوس ده كله من الألف للياء.
الجزء الأول الكائن اللي على عتبة بيتي
أنا لسه فاكرة صوت الصبح ده بالظبط.
لا كان فيه زقزقة عصافير، ولا هوا، ولا حتى صوت العربيات اللي على الطريق السريع البعيد.
كان فيه سكوت بس.
نوع السكوت اللي في المناطق الهادية اللي بيحسسك إن فيه حاجة غلط.. كأن الدنيا نسيت تصحى.
فتحت باب الشقة وأنا مش متوقعة أي حاجة.. بس لقيت حياتي كلها بتتهد فوق دماغي.
سبت بلاستيك بتاع سوبر ماركت محطوط على العتبة بالظبط. من النوع الرخيص الأبيض ده.
جواه.. كانت فيه طفلة.
صغيرة.. هادية.. وصاحية.
مابتعيطش.
كانت بتبصلي كأنها كانت مستنياني أنا بالذات.
وملفوف حوالين جسمها زي الدرع.. جاكيت جينز ماشوفتوش من 5 سنين.
جاكيت بنتي.. جنا.
ركبي خابت في ثانية، لدرجة إني اتسندت على حلق الباب عشان ما اقعش.
لأن الجاكيت ده مستحيل يتنسي.. كان فيه قطعية في الكم الشمال لما وقعت وهي بتنط من فوق سور الجنينة وهي عندها 14 سنة. وفي رقعة باهتة عند الياقة هي اللي كانت مخيطاها بنفسها لما قعدت تزن عليا عشان تسيبها تصلحها ستايل زي جيل اليومين دول.
كنت بتريق عليها زمان.. بس بطلت أتريق من يوم ما اختفت.
جنا؟ همست بالاسم، رغم إني عارفة إن الموضوع مش راكب على بعضه.
الطفلة بربشت بعينيها.. مفيش رد فعل، مفيش أي ملامح معرفة، بس عيونها السوداء كانت بتراقبني كأني أنا اللي كائن غريب.
طلعت بره من غير ما أفكر.
هوا الصبح الساقع خبط في وشي ونشف ريقي.
إيديا كانت بتترعش وأنا

بمدها للسبت.. وهنا شوفتها.
ورقة مطوية ومحشورة في الجيب الداخلي للجاكيت.
قلبي سقط في رجلي قبل ما ألمسها.. لأن فيه جزء جوايا كان عارف إن مفيش حاجة من دي صدفة.
سحبت الورقة براحة كأنها قنبلة هتنفجر.
طلعت وصل استلام من محل حدايد وبويات.. الحبر سايح والأطراف مطينة.
وعلى ضهرها، وبخط إيد سريع ومهزوز كأن صاحبه بيكتب وهو بيجري
قريتها مرة..
والتانية..
وفي التالتة إيديا مابقتش حاسة بيهم.
ماما،
مفيش وقت.. أنا قدرت أهرّبها بس هو صحي.. هو بيطاردنا دلوقتي.
لو فضلت هنا هيجيبنا إحنا الاتنين.
لازم أشغله وأسحبه بعيد.. خدي بالك منها. اقفلي كل الأبواب.
كلمي البوليس.. وفتشي في بدروم بيت البحيرة.
هو السبب.. هو اللي عمل كل ده من الأول.
ماتخليش بابا يدخل يا ماما.
بنتك جنا
الدنيا ماتهزتش.. الدنيا انهارات.
لأن عقلي مكنش قدامه غير احتمالين بس
يا إما دي حد بيلعب بيا لعبة قذرة..
يا إما جنا لسه عايشة.. وبتهرب من أبوها.
جوزي.. محمود.
الراجل اللي قعد يعيط في المؤتمر الصحفي لما بنته اختفت.. اللي كان ماسك إيدي لدرجة إنه كان هيكسر عضمي والشرطة بتدور في المزارع والبيوت المهجورة.. اللي كان بيقول للمذيعين أنا بس عايز بنتي ترجع لحضني.
الراجل اللي سابني بعدها بسنتين بحجة إني مانسيتش ومابقتش طبيعية.
الراجل اللي عزل وراح عاش في بيت البحيرة اللي ورثه عن أبوه.. نفس المكان اللي مكتوب في الورقة.
زوري اتقفل ومابقتش قادرة أخد نفسي.
صوت ورايا فوقني من الصدمة.
صوت خروشة ورق شجر..
خطوات بطيئة.. وتقيلة.
من جنب البيت.
لفيت.. مفيش حد.
وبعدين..
خطوة تانية.. أقرب.
جسمي اتحرك قبل عقلي.. خطفت السبت وجريت على جوه.
رزعت الباب ورايا لدرجة إن الحيطة اتهزت.
قفلت القفل.. وبعدين الترباس.. وبعدين السلسلة.
قلبي كان بيدق بعنف لدرجة إني سامعة صوته في وداني.
وفجأة.
. صوت من بره.
سارة؟
محمود.
دمي اتجمد في عروقي.
سارة، افتحي الباب.
هادي.. ومسيطر على نفسه.. كأنه بيطلب مني كوباية شاي.
كنت معدي بالعربية وشوفت حد بيتحرك في جنينة بيتك.. شكيت إن فيه حرامي.
حرامي.. طبعاً لازم يقول كده.
هو طول عمره بيحب يلبس الخطر لأي حد غير نفسه.
رجعت لورا في سكات، وأنا حضنة الطفلة أكتر.
لسه مابكيتش.. لسه ماتحركتش.. بتبصلي بس.
كأنها فاهمة أكتر مما يجب.
سارة! نده تاني، وصوته علي المرة دي. افتحي الباب.. أنا خايف عليكي وبحاول أحميكي.
يحميني.. كنت هضحك.
والله كنت هضحك.
الموبايل كان في إيدي قبل ما أقرر حتى هستخدمه. صباعي وقف ثانية، وبعدين طلبت النجدة.
ألو.. النجدة؟
صوتي طلع بالعافية همس.
جوزي واقف بره البيت.. اسمه محمود مهران. هو.. هو اللي خطف بنتي من 5 سنين. أظن إنها لسه عايشة، وأظن إنه بيطاردها دلوقتي.
سكتت الموظفة ثانية.. وبعدين ردت بسرعة
يا فندم خليكي جوه، القوات في الطريق ليكي حالاً.
نبرتها اتغيرت.. مكنش فيه تكذيب، كان فيه صدمة من حد عارف إن الكلام ده وراه مصيبة.
هو جوه البيت؟ سألتني.
قلت لها لأ.
وفجأة صوت عالي.. ترااااخ!
إزاز بيتكسر.
تجمدت مكاني.
خبطة تانية.. وبعدين صوت خطوات في الصالة.
مبقاش مستني.. ده دخل.
صوت الموظفة علي في الموبايل يا فندم خليكي معايا على الخط!
بس أنا كنت اتحركت خلاص.
المطبخ.. الدرج.. اللي محمود كان فاكر إني مش عارفة مكانه.
كنا بنشيل فلوس الطوارئ في خزنة حديد صغيرة.. هو نسي إنها موجودة.
بس أنا منسيتش الرقم السري.
لأن فيه ذكريات مابتتمحيش.. دي بتتحفر.
تكة.. الخزنة فتحت.
وهو ده.. ساقع، تقيل، وحقيقي.
الطبنجة.
إيدي قفلت عليها كأنها كانت مستنية اللحظة دي.
خبطة تانية.. أقرب بكتير.
صوت خشب بيتكسر.. بقى جوه البيت فعلاً.
سارة، نده تاني.
بس صوته مكنش ناعم المرة دي.. كان
متنرفز.
كأني عيلة صغيرة بتغلط.. كأني لازم أسمع الكلام وخلاص.
طلعت في الطرقة.
رافعة السلاح.
والطفلة على دراعي الشمال.
وجوزي بيقتحم حياتي من نص الصالة.
لما شوفته.. كل حاجة جوايا وقفت.
كان شكله.. هو هو.. وفي نفس الوقت مش هو خالص.
نفس الوش، نفس العينين.. بس كان فيه حاجة وراهم اختفت.
أو الأسوأ.. فيه حاجة تانية سكنت مكانها.
دخل من شباك الصالة المكسور كأنه صاحب بيت.
وبعدين شافني.. شاف الطبنجة.. وشاف الطفلة.
وهنا.. ابتسم.
ابتسامة بطيئة.. وواثقة.
لقيتيها.. قالها.
مش سؤال.. ده تأكيد.
كأن ده كان المتوقع.. كأني أنا اللي اتأخرت على ميعاد حاجة هو مرتب لها.
هاتيها يا سارة.
صوته رجع هدي تاني.. كان حنين لدرجة ترعب.
بس عينيه مكنتش ماشية مع صوته خالص.
هي محتاجة أبوها.
إيدي ضغطت على الزناد أكتر مالكش حق تنطق الكلمة دي.
حاجة لمعت في وشه.. سخرية.
إنتي لسه فاكرة إن ليكي حق الاختيار؟ همس بالكلمة دي.
وهنا فهمت حاجة كان نفسي مافهمهاش.
هو مكنش متفاجئ إن البنت هنا.. هو كان مستنيها.
ده معناه.. إن ده مكنش مجرد اكتشاف.. دي كانت النهاية اللي هو عايز يوصل لها.
ومن بعيد.. صوت سراين البوليس بدأت تعلى.
بتقرب.
محمود مال براسه شوية وهو بيسمع الصوت.
وبعدين ابتسامته اتهزت.. حاجة بسيطة.
كلمتيهم.. قالها بصوت واطي.
مكنش زعلان.. كان كأنه محبط مني.. كأني كسرت القواعد.
وبعدين أخد خطوة لقدام.
وفي اللحظة دي.. كل حاجة اتقلبت جحيم.
محمود مخدش خطوة تانية، هو فضل مثبت عينه في عيني، والابتسامة دي لسه على وشه بس قلبت على تحدي. صوت السراين كان بيقرب جداً، والأنوار الحمراء والزرقاء بدأت تضرب في سقف الصالة من ورا الشباك المكسور.
نزلي البتاع ده يا سارة.. إنتي مش حمل دم، ولا حمل إن الطفلة دي تشوف المنظر ده.
صوته كان واثق لدرجة إني بدأت أترعش. البنت في
حضني لسه ساكتة، بس حسيت بجسمها الصغير بيشد كأنها خايفة منه، مش مني.
جنا فين يا محمود؟ صرخت فيه والدموع مغرقة وشي. الورقة بتقول إنك كنت حابسها..
تم نسخ الرابط