عودة الابنه المختفيه حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

ريحة رطوبة وتراب وقديم. جنا نزلت تجري على السلم الخشبي اللي بيزيق تحت رجلينها لحد ما وصلنا للبدروم. كان فيه ركن فيه كراسي قديمة وكراكيب، جنا زاحت صندوق خشب وطلعت منه فلاشة متغلفة بكياس بلاستيك.
هي دي.. دي اللي فيها كل حاجة.
وفجأة.. صوت باب البدروم اتقفل من فوق.
تكة القفل كانت زي رصاصة في قلبي.
نورتوا بيتكم يا حبايبي. صوت محمود جه من فوق السلم، بس المرة دي كان معاه صوت تاني.. صوت الظابط حازم.
نور كشاف قوي ضرب في وشنا، مكنتش شايفة حاجة، بس سامعة خطواتهم وهي نازلة السلم براحة، خطوة.. خطوة.
خلاص يا جنا.. اللعبة خلصت. محمود وقف قدامنا، والظابط حازم واقف وراه وسانده بسلاحه. هاتي الفلاشة، وهاتي البنت، وممكن أفكر أسيبكم تعيشوا.. بس بعيد عن هنا، بعيد خالص.
جنا وقفت قدامي، وفردت دراعاتها كأنها بتحميني إنت قتلتها يا محمود.. قتلت أم البنت دي ودفنتها هنا، وصورتك وإنت بتعمل كده معايا على الفلاشة دي. لو موتنا، الفلاشة دي متبرمجة ترفع كل حاجة على الإنترنت حالاً.
محمود ضحك ببرود مرعب انتي لسه غبية.. مفيش إنترنت هنا يا جنا، أنا قاطع الإشارة عن المنطقة كلها.
بصيت لجنا، وشفت الخوف في عينيها لأول مرة. الخط الميري اللي كانت ماشية عليه اتقطع.
في اللحظة دي، البنت اللي في حضني بدأت تعيط.. أول مرة أسمع صوتها. بكاها كان يقطع القلب، كأنها حاسة إن النهاية قربت.
محمود قرب خطوة، ومد إيده هاتي الفلاشة يا سارة.. إنتي عاقلة، بلاش تخسري حياتك عشان خاطر بنتك اللي بقالها سنين هربانة.
بصيت للطبنجة اللي في إيدي.. إيدي كانت بتهز، بس فجأة افتكرت ال 5 سنين اللي ضاعوا من عمري في العياط، افتكرت كسرة قلبي كل يوم وأنا ببص لسرير جنا الفاضي.
إنت مش هتاخد حاجة يا محمود.
وقبل ما حد ينطق كلمة، ضغطت على الزناد.
الرصاصة مأتش في محمود.. جت في كتف الظابط حازم اللي كان لسه بيرفع سلاحه. الدنيا اتقلبت في ثانية.. عراك وتشابك بالأيدي في ضلمة البدروم. جنا هجمت على محمود بكل قوتها، وأنا كنت بحاول أحمي البنت.
وفجأة.. صوت سراين تانية، بس المرة دي كانت كتيرة بزيادة. كشافات قوية جداً كشفت البيت كله من بره.
القوة
الخاصة! ارمي السلاح وارفع إيدك!
الظابط حازم حاول يهرب، بس العساكر دخلوا من كل حتة. محمود وقع في الأرض وهو بيلهث، وبصلي بنظرة كلها غل مش هتلحقي تفرحي يا سارة.. اللعبة أكبر مني ومنك.
الظابط اللي دخل وقبض عليهم مكنش لابس ميري.. كان لابس لبس مدني، قرب مني وقال مدام سارة؟ إحنا المخابرات العامة. بنتك جنا كانت شغالة معانا من جوه بقالها سنة عشان نوقع الشبكة دي.. إنتي بطلة، وبنتك بطلة بجد.
بصيت لجنا، اللي كانت واقعة في الأرض بتعيط وبضحك في نفس الوقت.
جنا مكنتش بس بتهرب.. جنا كانت بتحارب.
حضنت بنتي، وحضنت الطفلة الصغيرة، وخرجنا من بيت البحيرة وهو بيتحوط بشريط أصفر.. لأول مرة من 5 سنين، حسيت إني قادرة أتنفس بجد.
محمود وهو بيتركب عربية الترحيلات، بصلي لآخر مرة وقال Dont let him in يا سارة.. لسه فيه حد بره.
جنا مسكت إيدي وضغطت عليها ماتسمعيش له يا ماما.. الكابوس انتهى.
بس وأنا بركب عربية الإسعاف، شوفت عربية سوداء واقفة بعيد.. بعيد خالص على أول الطريق.. كشافاتها نورت مرة واحدة، وبعدين اختفت في الضلمة.
النهاية.. ولا لسه فيه جزء مستخبي؟
العربية السوداء اللي اختفت في الضلمة سابت جوايا غصة، بس مكنش فيه وقت للتفكير. جنا كانت في حضني، ريحتها رغم التعب رجعتلي روحي. الطفلة الصغيرة نامت من كتر التعب وهي ماسكة في طرف هدومي، كأننا بقينا الأمان الوحيد ليها في العالم ده.
عدى أسبوع.. البيت كان محاصر بحراسة، والتحقيقات مكنتش بتهدأ. محمود والظابط حازم اعترفوا على شبكة كبيرة، بس محمود كان دايماً بيبصلي في التحقيقات بابتسامة خبيثة ويقول جملة واحدة أنا كنت مجرد بواب.. صاحب البيت لسه بره.
في ليلة، والبيت هادي تماماً، جنا كانت نايمة في أوضتها والطفلة جنبها. أنا مكنتش عارفة أنام، قمت أشرب، وقفت قدام الشباك أبص على الشارع.. وفجأة، لمحت حاجة خلت دمي يهرب من عروقي.
على عتبة الباب، في نفس المكان اللي لقيت فيه السبت أول مرة.. كان فيه صندوق هدايا صغير، ملفوف بشريط أحمر أنيق جداً.
فتحت الباب ببطء، وجسمي كله بيترعش. سحبت الصندوق ودخلت قفلت الترباس ميت قفلة. فتحت الصندوق وأنا حاطة إيدي على
قلبي.
جوا الصندوق كان فيه
ساعة إيد رجالي.. أنا عارفاها كويس، دي ساعة أبويا اللي مات من عشر سنين، واللي محمود كان بيقول إنها ضاعت في الحادثة.
صورة قديمة.. ليا أنا ومحمود وأبويا يوم فرحنا، بس وش أبويا كان مخروم بدبوس.
ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط منظم جداً، عكس خط جنا المذعور
محمود كان غلطة.. بس الطفلة مش بتاعته يا سارة. الطفلة دي وريثة. وجنا خدت حاجة مش بتاعتها. قدامك 24 ساعة ترجعي الأمانة لبيت البحيرة.. وإلا المرة دي مش هبعت جآكيت.. هبعت صاحب الجآكيت.
نفسي انقطع. صاحب الجآكيت؟ يعني جنا لسه في خطر؟ بس جنا قدامي!
جريت على أوضتها زي المجنونة، فتحت الباب ونورت النور..
جنا كانت نايمة.. بس السرير اللي جنبها، سرير الطفلة.. كان فاضي.
الشباك كان مفتوح، والستارة بتطير مع الهوا.. وعلى المخدة كانت محطوطة دبوس الساعة بتاعة أبويا.
بصيت لجنا لقيتها بدأت تصحى وهي بتهلوس ماما.. هو جه.. هو جه وخدها.
فهمت ساعتها إن محمود مكنش الرأس الكبيرة، محمود كان مجرد منفذ لخدعة أكبر بكتير، وإن اللي حصل في بيت البحيرة كان مجرد تمثيلية عشان يشغلوا البوليس، بينما الطرف التالت بياخد اللي هو عايزه.
الطفلة مكنتش بنت ضحية.. الطفلة دي كانت لغز، ومفتاح لثروة أو سر مخابراتي جنا حاولت تنقذه، بس الوحش الحقيقي كان لسه مستخبي في ضل حياتنا.
مسكت الطبنجة تاني، وبصيت لجنا وقلت لها
البسي يا جنا.. هنرجع بيت البحيرة، بس المرة دي مش عشان نصور.. المرة دي عشان ننهي العيلة دي للأبد.
العربية السوداء نورت كشافاتها تحت البيت.. كأنها مستنيانا.
تفتكروا مين صاحب البيت الحقيقي؟ وهل أبو سارة ليه علاقة باللي بيحصل؟
نزلنا السلم وأنا وجنا بنجري وصدرنا بيعلو ويهبط من الرعب. العربية السوداء كانت واقفة مستنية تحت البيت، موتورها شغال وصوتها زي فحيح التعبان. أول ما قربنا، الباب الوراني اتفتح لوحده.
جنا بصتلي وقالت بوش ميت مفيش حل تاني يا ماما.. هما عارفين إننا مش هنبلغ المرة دي عشان البنت.
ركبنا، والعربية طارت بينا. السواق مكنش بيبص وراه، كان لابس كاب ومغطي وشه. وصلنا بيت البحيرة في نص الوقت، بس المرة دي البيت مكنش ضلمة.
. البيت كان منور من جوه ب شموع. منظره كان مرعب، كأن فيه طقوس بتتعمل جوه.
دخلنا الصالة الكبيرة، ولقينا الكرسي الهزاز بتاع أبويا الله يرحمه محطوط في نص الصالة، وعليه الطفلة قاعدة بتلعب ب سبحة أبويا القديمة.
نورتوا يا بنات..
الصوت ده.. أنا عارفاه. الصوت ده محفور في ذاكرتي.
من ورا الضل، خرج راجل عجوز، مسنود على عصاية فضة. لما الضوء جه على وشه، صرخت ووقعت في الأرض.
بابا؟!
أبويا اللي دفناه من عشر سنين.. اللي عيطت
عليه دم.. واقف قدامي حي يرزق.
أبويا بصلي ببرود وقال الموت يا سارة هو أحسن غطاء للشغل الكبير. محمود كان مجرد عيل شغال عندي، وجنا كانت فاكرة إنها بطلة لما سرقت الامانة.. بس العيلة دي دمها واحد، ومصلحتها واحدة.
جنا صرخت فيه إنت مش جدي.. إنت شيطان! إنت اللي خليت محمود يخطفني؟
أبويا ضحك ضحكة مكتومة خطفك؟ أنا كنت بحميكي من نفسك. والطفلة دي مش بنت ضحية يا سارة.. الطفلة دي هي المفتاح لحساباتنا اللي بره. جنا سرقت الفلاشة اللي عليها الأكواد، وكان لازم ترجعها.
قمت وقفت، ورفعت السلاح في وش أبويا.. الشخص اللي علمني يعني إيه أمان. هات البنت يا بابا.. وامشي من هنا. أنا ميهمنيش فلوسك ولا شبكاتك، أنا عايزة بنتي وحياتي.
أبويا قرب مني ببطء، ومسك ماسورة الطبنجة وحطها على جبهته اضربي يا سارة.. لو مت، الطفلة دي هتموت في ثانية، لأن فيه قناص بره مستني إشارة مني.
في اللحظة دي، الطفلة بصتلي وضحكت.. ضحكة بريئة وسط كل القذارة دي.
جنا همست في ودني الفلاشة معايا يا ماما.. بس أنا عملت فيها حاجة محمود ميعرفهاش.
جنا طلعت الفلاشة ورمتها في الشومينيه الدفاية اللي كانت والعة نار. لو عايز الأكواد، انزل هاتها من وسط النار يا جدي!
أبويا اتجنن، وجري على النار يحاول ينقذ ثروته، وفي اللحظة دي جنا خطفت الطفلة وجرينا على بره.
سمعنا صوت انفجار مكتوم جوه البيت.. الفلاشة مكنتش فلاشة، دي كانت قنبلة صغيرة جنا مجهزاها من شغلها مع الجماعة اللي كانت معاهم.
جرينا في وسط الغابة والبيت ورايا بيتحرق.. نار بتاكل الماضي كله.. بتاكل خيانة محمود، وخدعة أبويا، ووجع ال 5 سنين.
لما الشمس طلعت، كنا وصلنا
للطريق الرئيسي. بصيت لجنا وللطفلة، وحسيت إننا أخيراً أحرار.
تمت.

تم نسخ الرابط