عودة الابنه المختفيه حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

5 سنين وإنت بتمثل عليا؟ 5 سنين وإنت بتنام جنبي وإنت عارف هي فين؟
محمود ضحك ضحكة قصيرة مكتومة، وخد خطوة كمان. رفعت الطبنجة أكتر وصوبتها على صدره. والله العظيم هضرب! قسماً بالله ما هتردد!
وقف مكانه، ورفع إيديه الاتنين في الهوا كأنه بيسلم، بس عينيه كانت بتقول حاجة تانية خالص. جنا هي اللي اختارت يا سارة. هي اللي اختارت تبعد.. والطفلة دي؟ دي الأمانة اللي هي مش عارفة تحافظ عليها. هاتي البنت، وأنا همشي من هنا قبل ما البوليس يدخل، وهعتبر إن مفيش حاجة حصلت.
في اللحظة دي، الباب الخشب بتاع الشقة اتنفض بضربة قوية من بره. شرطة! افتحي الباب!
محمود ملامحه اتغيرت في ثانية. الهدوء اللي كان فيه اختفى، ووشه بقى زي الشيطان. مش هتلحقي يا سارة.
وفجأة، النور قطع عن البيت كله.
الظلمة كانت كحل. سمعت صوت حركة سريعة، صوت خشب بيزيق.. وصوت نفس محمود وهو بيقرب مني.
سارة! إنتي فين؟ صوت العساكر بره وهما بيكسروا الباب كان بيعلى، بس جوه الصالة مكنش فيه غير صوت أنفاسي وأنفاسه.
حسيت بإيد قوية بتمسك كتفي وبتحاول تسحب البنت مني.
سيبها! صرخت وضربت كوعي في صدره بكل قوتي.
سمعته بيتأوه، وفي اللحظة دي الباب اتكسر تماماً والشرطة دخلت بكشافاتهم.
الإضاءة القوية خلتني أغمض عيني لثانية، ولما فتحتها.. محمود مكنش قدامي.
الشباك كان مفتوح على آخره، والستارة بتطير مع الهوا الساقع.
يا فندم! إنتي كويسة؟ الظابط قرب مني وهو رافع سلاحه.
كنت واقعة في الأرض، حاضنة البنت وبنهج كأني كنت بجري ماراثون. هرب.. هرب من الشباك.. روحوا بيت البحيرة.. جنا هناك! بنتي هناك!
الظابط بص لواحد من العساكر وأداه أمر بالتحرك، وبعدين بص للطفلة اللي في حضني واستغرب.
سحبت الجاكيت
الجينز بتاع جنا، وطلعت الورقة اللي كانت في الجيب عشان أوريها له، بس قبل ما أسلمها له، عيني وقعت على حاجة مخدتش بالي منها في الأول.
في ركن الورقة، تحت إمضاء جنا، كان فيه سطر صغير مكتوب بخط يكاد يكون مش مريئي
ماتصدقيش حد لابس بدلة ميري يا ماما.. البيت كله متراقب. قلبي وقف.
بصيت للظابط اللي واقف قدامي.. كان لابس بدلة ميري طبعاً، بس لما ركزت في ملامحه، حسيت ببرودة في جسمي كله.
الظابط ده.. مكنتش أول مرة أشوفه.
ده كان واحد من صحاب محمود اللي كانوا بييجوا يسهروا معاه في بيت البحيرة زمان.
الظابط مد إيده عشان ياخد الطفلة مني وقال بنبرة هادية بزيادة
هاتي البنت يا مدام سارة.. إحنا هنأمنها.
رجعت لورا وأنا ضامة البنت لصدري أكتر، والطبنجة لسه في إيدي التانية تحت الجاكيت.
لأ.. البنت هتفضل معايا.
الظابط ابتسم ابتسامة خفيفة، نفس الابتسامة اللي كانت على وش محمود من شوية.
بقولك هاتي البنت.. بالذوق.
وعرفت ساعتها.. إن الكابوس مخلصش بخروج محمود من الشباك.. ده لسه بيبدأ.
الظابط بدأ يقرب مني بخطوات محسوبة، وصوت اللاسلكي بتاعه بيشوش في الخلفية. يا مدام سارة، إحنا هنا عشان نساعدك، إنتي أعصابك تعبانة والسلاح اللي في إيدك ده خطر عليكي وعلى البنت.
أنا مكنتش سامعة غير صوت نبض قلبي في وداني. البيت كله متراقب.. الجملة دي كانت بترن في دماغي. بصيت للبنت اللي في حضني، وفهمت ليه مابكتش ولا مرة. البنت دي مش مجرد طفلة، دي الشاهدة الوحيدة على اللي حصل، والسر اللي الكل بيدور عليه.
بقولك إبعد عني! صرخت فيه وأنا برجع لورا ناحية باب المطبخ. أنا عارفة إنت مين.. إنت كنت بتيجي لمحمود بيت البحيرة. إنت مش جاي تساعدني، إنت جاي تلم الليلة!
وش الظابط
اتخشب، ونظرة الود اللي كان راسمها اتمسحت تماماً. مد إيده ورا ضهره وبدأ يسحب سلاحه هو كمان. كنت أتمنى نخلص الموضوع ده من غير شوشرة.. بس الظاهر إنك صعبة زي بنتك.
في اللحظة دي، سمعت صوت تزييق جاي من ورايا، من ناحية باب المطبخ اللي بيفتح على المنور.
فجأة، إيد اتمدت من الضلمة وشدتني بقوة لجوه المطبخ!
كنت لسه هصوت، بس إيد تانية اتحطت على بقي.. كانت إيد خشنة، بس فيها ريحة فانيليا وشامبو قديم.. ريحة كنت عارفاها كويس.
اششش.. أنا جنا يا ماما.. ماتطلعيش صوت.
قلبي كان هيقف من الفرحة والخوف في نفس الوقت. بصيت ورايا، شفت خيال بنت رفيعة، وشها شاحب جداً وعينيها غائرة، بس هي دي بنتي. جنا!
الظابط بره بدأ يضرب نار على باب المطبخ. سارة! افتحي الباب بدل ما أهد البيت فوق دماغكم!
جنا شدتني من إيدي وهي بتنهج مفيش وقت يا ماما.. لازم نمشي من المنور. محمود والظابط ده شغالين مع ناس كبيرة، والطفلة دي هي اللي هتوديهم ورا الشمس.
البنت دي مين يا جنا؟ سألتها وأنا بجري وراها في طرقة المنور الضيقة.
جنا بصتلي ونظرة عينيها كانت مكسورة دي مش بنتي يا ماما.. دي بنته هو من الست اللي قتلها ودفنها تحت البدروم.. البنت دي هي الدليل الوحيد إن محمود لسه بيمارس قرفه في بيت البحيرة.
نزلنا السلم الخلفي وجرينا في الشارع الضلمة اللي ورا البيت. جنا كانت عارفة كل خرم في المنطقة. ركبنا عربية قديمة كانت راكنة في الداري، وجنا قعدت ورا الدريكسيون وبدأت تسوق بأقصى سرعة.
إحنا رايحين فين؟ سألتها وأنا بحاول أهدي الطفلة اللي بدأت تترعش.
جنا بصت في مراية العربية وشافت كشافات عربية شرطة بتمسح الشارع وراهم.
رايحين المكان اللي بدأ فيه كل حاجة.. بيت البحيرة. لازم
أجيب الفيديو اللي صوّرته قبل ما يمسكني المرة اللي فاتت.. ده اللي هيحبس محمود والظابط وكل العصابة دي.
بصيت لجنا، وشفت الجروح اللي على إيدها، وفهمت إن بنتي عاشت جحيم عشان ترجعلي.
أنا مش هسيبك تضيعي مني تاني يا جنا.
جنا ابتسمت نص ابتسامة وقالت المرة دي إحنا اللي هنصطادهم يا ماما.. بس جهزي الطبنجة، لأن محمود مش هيسيبنا نوصل للبيت ده صاحيين.
وفجأة.. عربية دفع رباعي سوداء ظهرت من العدم وخبطت عربيتنا من الجنب لدرجة إننا كنا هننقلب!
جنا حاولت تتحكم في الدريكسيون، وبصيت من الشباك شفت محمود هو اللي سايق العربية التانية، وكان بيضحك بهستيريا وهو بيصوب بندقية ناحيتنا.
تفتكروا سارة وجنا هيقدروا يوصلوا لبيت البحيرة؟ ولا محمود هيخلص الكابوس بطريقته؟
العربية لفت بينا وصرخة جنا شقت السكوت، بس هي قدرت تسيطر على الدريكسيون في آخر لحظة. محمود كان ورايا بالظبط، بيخبط فينا بجنون كأنه بيلعب لعبة مصارعة عربيات، مش كأنه بيطارد مراته وبنته.
وطي راسك يا ماما! خبي البنت! جنا زعقت وهي بتدوس بنزين على الآخر.
الرصاص بدأ يخرم صاج العربية من ورا. صوت الضرب كان بيصم الودان. بصيت في المراية وشوفت وش محمود تحت إضاءة الكشافات.. مكنش فيه أي ذرة رحمة، كان وش حد قرر ينهي كل حاجة حتى لو التمن حياتنا.
جنا، العربية هتولع منا! صرخت وأنا شايفة الدخان طالع من الكبوت.
خلاص يا ماما.. وصلنا.
جنا لفت الدريكسيون فجأة ودخلت في وسط طريق شجري ضيق، وفجأة ظهر بيت البحيرة قدامنا. كان شكله في الضلمة زي المقبرة، كئيب ووحيد. جنا لبست في شجرة قدام الباب بالظبط، العربية وقفت والعضم اتنطر من مكانه.
انزلي! بسرعة على البدروم! جنا شدتني، وأنا شيلت البنت وجرينا والتراب
والدموع مغطيين وشنا.
دخلنا البيت، الريحة كانت خنيقة..
تم نسخ الرابط