امضا الورقه الاخيره حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

أهلي كانوا عايزين إمضاء واحدة عشان ينقذوا أختي، بس للأسف اختاروا البنت الغلط...
بقالي سنتين مقاطعة أبويا وأمي تماماً، بعد ما بقوا في صف أختي في كل خناقة، ونفضوا لحفلة تخرجي، وكمان اتريقوا على جوزي وسموه العريس اللقطة من باب السخرية طبعاً. مش بس كدة، دول بقوا يمشوا يقولوا للناس كلها إني مجنونة ومحتاجة علاج. وفجأة، لقيت رسالة من محامي أبويا.. عايزين إمضائي على ورقة واحدة. لما قريت اللي مكتوب، ضحكت ضحكة خلت المحامي يسألني أنتِ كويسة يا أستاذة؟
من تلات أيام، كنت قاعدة في مكتب المحامي، قصاد أبويا اللي مرفعش سماعة التليفون عليا لمحة بقاله سنتين. زق الورقة على المكتب الخشب بكل برود، وكأن مفيش حاجة حصلت. المحامي كان واقف جنب الشباك وماسك نوتة، وأوضة المكتب كانت ريحتها سجاد قديم وقهوة شايطة وثقة زايدة في النفس.
كل اللي محتاجينه إمضتي.
طول عمري في العيلة دي وأنا البنت اللي بتيجي على نفسها، البنت اللي سهل يكسروا بخاطرها ومحدش يهتم. ودلوقتي، كانوا عايزين ياخدوا مني المكان الوحيد اللي حسيت فيه إني في بيتي بجد.
بيت المصيف ده كان ملك جدي صالح. البيت الخشب، والرصيف اللي مايل ناحية المية، والكرسي الهزاز الأخضر اللي باصص للبحر.. ده كان المكان الوحيد اللي محدش عاملني فيه

إني تكملة عدد.
أبويا كان بيتكلم بصوت واطي وهادي، نفس النبرة اللي بيستخدمها في البنك لما بيحب يثبت الناس عشان يمضوا على قرض غالي.
مش عايزين نصعب الأمور يا بيجي، الموضوع مش مستاهل.
دي كانت موهبته.. يحول المحسوبية لواجب وطني، ويقلب الإهانة لهزار، ويخليكي تحسي إنك عيلة وصغيرة لو ركزتي في الجرح اللي سببهولك.
أنا اتعلمت الدرس ده بدري قوي.
مريم تاخد دروس بيانو، وأنا يتقالي يمكن السنة الجاية. هي جالها عربية وهي عندها 16 سنة، وأنا جالي اشتراك أتوبيس وشفتات شغل زيادة. هي خدت الأوضة الماستر الكبيرة، وأنا خدت الأوضة اللي لازقة في المنور.
أهلي مكنوش بيزعقوا.. هما بس كانوا بيستثمروا في مريم، وبيرموا عليا أنا حمل إنك قوية وهتتصرفي. قوية دي معناها إن عادي تمشي حالك من غير حاجة. قوية يعني تعتمدي على نفسك. قوية يعني محدش يحس بالذنب وهو بيديكي الفتات.
وفعلاً، اعتمدت على نفسي.
اشتغلت وأنا في المدرسة، ودفعت تمن كتبي، وبقيت أول واحدة في العيلة تتخرج من الجامعة. ويوم التخرج، أهلي مجوش عشان مريم كانت بتنقل في شقتها الجديدة ومحتاجة مساعدة.
أمي قالتلي وقتها ما هي إلا حفلة يا بنتي، المهم الشهادة معاكي وخلاص.
طلعت استلمت شهادتي لوحدي وسط الناس.
الوحيد اللي كلمني بعدها كان جدي صالح.

قالي أنا فخور بيكي يا بنتي.. ومتقلقيش، أنا عملت حسابي في كل حاجة.
وقتها مفهمتش قصده، افتكرت إنه بيجبر خاطري، لأنه كان الوحيد اللي شايفني بجد.
لما قابلت جوزي عمر، كنت لسه هبلة وعندي أمل إن أهلي يتغيروا. عمر كان مهندس كهرباء، إيده شقيانة، وعنده عربية نص نقل مستعملة، بس كان عنده أصل وأخلاق أكتر من أي حد قعد على سفرة أبويا. أبويا بص له وهو بياكل وقاله بلسان سم إنت آخره صبي صنايعي.
عمر معلاش صوته خالص.
وهو مروح بيا قالي أنا مش محتاج أبوكي يحترم شغلانتي، أنا محتاجه يحترمك إنتي.
كانت المفروض دي تكون النهاية، وفعلاً كانت هتبقى، بس العيلة بتدربك إنك تستحملي وتفضلي موجودة فترة أطول مما كرامتك تسمح. لحد ما جه يوم العيد ونهى كل حاجة.
مريم طلبت مني 100 ألف جنيه عشان المحل بتاعها. قلتلها لأ بكل أدب ووضوح. دخلت الصالة وعينيها غرقانة دموع.
أبويا وقف وسط الصالة عشان الكل يسمع إيه نوع الأخوات اللي زيك دي؟ اللي ترفض تساعد لحمها ودمها؟
وأمي كملت عليها وقالت قدام القرايب إنها شايفة إني محتاجة دكتور نفسي.
محدش وقفهم.
وقفت مكاني والبالطو في إيدي، وعمر كان مستنيني عند الباب، وفهمت إن في إهانات نظيفة قوي لدرجة إنها مابتسيبش علامات زرقاء على الجسم، بس بتدبح من جوه. خرجت ومن يومها
مرجعتش.
سنتين من السكوت التام. لا اعتذار، ولا كل سنة وأنتِ طيبة، ولا حتى رسالة في عيد. بس كلام بيوصلني.. قالوا للقرايب إني اتغيرت، وقالوا إن عمر هو اللي قساني عليهم وممشيني بمزاجه. رسموني في صورة الابنة العاقة لمجرد إني قلت لأ لأول مرة في حياتي.
وبعدين، المحامي بعتلي ورقة تنازل.
أبويا عايز يبيع بيت المصيف بتاع جدي صالح ب 3 مليون جنيه. وبنت عمي عرفتني السبب بالليل قبل المقابلة.. محل مريم بيفشل، والديون كترت، وأبويا ضامنها في كل حاجة، ورهن بيته، وقال للناس إنه هيلم الدور لو باع بيت المصيف بسرعة.
وكان بيقول لكل الناس نفس الجملة
بيجي هتمضي.. هي طول عمرها غلابة وبتيجي في الآخر وتتكسر وتوافق.
عشان كدة كنت قاعدة هناك، في مكتبي القديم، وشايفه أبويا بينقر بصباعه على المكتب ومستني بيجي الضعيفة تعمل اللي متعودة عليه.
تستسلم.
قعد يقولي إن الموضوع ملوش علاقة بالماضي، وإن جدي كان هيبقى عايز يبيع البيت، وإن مريم محتاجة مسند، وإني مكبرة الموضوع بزيادة.
وفجأة.. تليفونه رن.
رد من غير ما يفكر، وفي هدوء الأوضة، صوت مريم طلع من السماعة حاد ومنرفز
ها، وقعت ولا لسه؟ قولها إن ده عشان خاطر العيلة، هي أول ما بتسمع الكلمة دي بتهبط وبتمضي على طول.
أبويا قفل السكة بسرعة، بس كان خلاص.
. الفأس وقعت في الرأس. المحامي بطل كتابة،
تم نسخ الرابط