امضا الورقه الاخيره حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

مجرد ذكرى، ده بقى مشروعي الجديد. قررت أنا وعمر إننا نوضبه ونفتحه أتيليه ومكان لهواة الرسم والكتابة، مكان شبهي وشبه جدي صالح، هادي وبعيد عن دوشة الناس اللي بتنهش في بعضها.
في يوم، وأنا واقفة بدهن الكرسي الهزاز بتاع جدي بنفس اللون الأخضر اللي كان بيحبه، لقيت عربية أبويا ركنت قدام البيت. قلبي دق جامد، مش خوف، بس استغراب. نزل أبويا، بس مكنش هو الراجل المصرفي اللي صوته واثق وبدته مكوية. كان باين عليه السن فجأة، وظهره محني شوية.
قرب مني ووقف بعيد عن الرصيف، بص للبيت ونفخ نفس طويل وقال بصوت هادي
جسمه كان حاسس.. جدي صالح كان عارف إن ده الوحيد اللي هيصونك.
مردتش، فضلت ماسكة الفرشة في إيدي ومستنية.
كمل كلامه مريم اتطلقت يا بيجي.. جوزها مستحملش الديون ولا المشاكل، ورجعت قعدت معانا في البيت. البيت اللي كنت بقول عليه ضيق عليكي، بقوا تلاتة قاعدين فيه دلوقتي ومش طايقين بعض.
بص لي وعينيه فيها لمعة ندم لأول مرة أشوفها
أنا مش جاي أطلب منك تبيعي البيت ولا عايز مليم.. أنا بس كنت جاي أقولك إنك كنتِ صح.. إحنا اللي كنا بنبني في رمل، وإنتي اللي بنيتي في صخر. أنا خسرت بنتي اللي كانت سند ليا بجد عشان خاطر واحدة مكنتش شايفة غير نفسها.
قلت له وأنا باصة للبحر
يا بابا، الوجع مكنش
في الفلوس، الوجع كان في إنكم هنتوا كرامتي وسميتوا جوزي رخيص وبعتوا تخرجي عشان خاطر دلع. أنا مش شمتانة في مريم، بس أنا دلوقتي عندي يقين إن الحق مبيضيعش.
مد إيده بظرف صغير وقالي
ده جواب جدي كان سايبه معايا وقايل لي أديهولك يوم ما تختاري نفسك.. أنا كنت مخبيه، بس خلاص ملوش لازمة يفضل معايا.
أخدت الظرف وفتحته بعد ما مشي. كان فيه صورة ليا وأنا صغيرة وأنا قاعدة مع جدي صالح، وكاتب وراها
يا بنتي، اللي بيعرف يمشي لوحده في الضلمة، هو أكتر واحد هيعرف يستمتع بالنور لما يطلع. عيشي حياتك غالية، ولا ترخصي نفسك لحد، حتى لو كان دمك.
طبقت الصورة وحطيتها في جيبي، ودخلت البيت لعمر اللي كان بيجهز الشاي. بص لي وابتسم وسألني كان عايز إيه؟
قلت له كان جاي يسلم الأمانة.
ومن يومها، عرفت إن القوة الحقيقية مش في الزعيق ولا في السيطرة، القوة في الاستغناء. استغنيت عن اللي مبيقدرنيش، فقدرت ألاقي نفسي. والبيت اللي حاولوا يسرقوه مني، بقى هو الحصن اللي بنيت فيه حياتي الجديدة.. حياة مفيش فيها مكان غير للناس الأصلية وبس.
بعد ما أبويا مشي، وقفت قدام البحر والجواب في إيدي، وحسيت إن فيه حمل تقيل قوي انزاح من على كتافي. مكنتش محتاجة منه فلوس، ولا كنت محتاجة منه يعتذر اعتذار رسمي.. كان كفاية عليا
إنه اعترف، ولو بينه وبين نفسه، إن بيجي اللي كانوا مستهونين بيها هي اللي طلعت صح.
مرت سنة كاملة.
بيت المصيف بقى أشهر جاليري في المنطقة. الناس بتيجي من كل حتة عشان تقعد في الهدوء ده، وعمر ساعدني وعمل ركن في الجنينة للصناعات اليدوية، وبقى المكان ريحه خشب وقهوة وفن.. بس المرة دي قهوة طعمها حلو، مش شايطة زي مكتب المحامي.
في يوم، كنت قاعدة براجع حسابات المكان، لقيت رسالة من رقم مريم. فتحتها وأنا قلبي بارد تماماً.
أنا محتاجة أجيلك يا بيجي.. مش عايزة فلوس، والله ما عايزة فلوس. أنا بس مخنوقة وعايزة أقعد في مكان هادي، ومفيش أهدا من بيت جدي.
فكرت كتير.. هل مريم اتغيرت؟ ولا ده فصل جديد من فصول التمثيل؟
عمر بصلي وقالي القرار ليكي، ده بيتك.. بس افتكري إن جدي سابلك البيت عشان يكون ليكي حماية، مش عشان يكون سجن ليكي أو لغيرك.
بعت لها لوكيشن المكان وقلت لها تقدري تيجي كزائرة، زيك زي أي حد.. وليكي ساعة واحدة بس.
لما مريم جت، مكنتش مريم بتاعة زمان. مكنتش لابسة براندات ولا راكبة العربية اللي كانت بتتباهى بيها. كانت باهتة، وشكلها تعبان. قعدت على الكرسي الهزاز وبصت للمية وفضلت تعيط.
مطلعتش أجري عليها وأخدتها زي ما كنت بعمل زمان. فضلت واقفة بعيد، محافظة على المسافة اللي كرامتي
رسمتها.
قالت وهي بتمسح دموعها أنا آسفة يا بيجي.. أنا مكنتش شايفة غير نفسي، وكنت فاكرة إن الدنيا دايماً هتفضل تديني لمجرد إني مريم. بس لما الدنيا خبطت في وشي، ملقتش حد يسندني.. حتى بابا وماما بقوا بيبصوا لي دلوقتي على إني الخسارة اللي ضيعت شقا عمرهم.
بصيت لها وقلت لها بهدوء
يا مريم، المشكلة مش في الخسارة المادية.. المشكلة إنك كنتِ بتبني حياتك على حساب كسر غيرك. جدي صالح كان عارف إنك هتضيعي لو فضلتِ معتمدة على غيرك، وعشان كدة سابلي البيت ليا أنا.. مش عشان يحرمك، بس عشان يعلمك إن اللي بيزرع شوك مبيحصدش ورد.
قامت وقفت وهي مكسورة، وقبل ما تمشي قالت لي إنتي بقيتي قوية قوي يا بيجي.. أنا مكنتش أعرف إن السكوت ممكن يخلي الواحد قوي كدة.
قلت لها وأنا بقفل باب الجنينة وراها
السكوت مش قوة يا مريم.. الاستغناء هو اللي قوة. أنا استغنيت عنكم وعن حبكم المشروط، فلقيت نفسي.
قفلت الباب ورجعت قعدت جنب عمر. الشمس كانت بتغرب، والمنظر كان يرد الروح. مريم مشيت، وأبويا رجع لبيته، وأنا فضلت في بيتي.. بيت البحيرة اللي بقى
رمز لانتصاري.
القصة مش إنك تاخد حقك وبس، القصة إنك تعرف إمتى تقفل الباب، وإمتى تسيب اللي فات للماضي. وأنا قفلت الباب ده للأبد، وفتحت شبابيك حياتي للنور وللناس اللي
تستاهل تكون موجودة فيها بجد.
تمت.

تم نسخ الرابط