امضا الورقه الاخيره حكايات صافي هاني
المحتويات
ووش أبويا بقى أحمر زي الدم. ولأول مرة من الصبح، محدش في الأوضة بصلي على إني أنا المشكلة.
بصيت للورقة تاني، وبعدين بصيت للشنطة اللي جنبي.
كان فيها ملف لسه مورهومش.. ورق من الشهر العقاري، نسخ معتمدة، وجواب بخط إيد جدي. ورقة واحدة كانت مستنية اللحظة دي.
أبويا قرب مني وهو بيحاول يسيطر على الموقف وقال بنبرة فيها تهديد
بيجي.. امضي وخلصينا.
حطيت إيدي على الشنطة، ولمست طرف الملف بصوابعي، وضحكت من قلبي
قبل ما أمضي على أي حاجة، في ورقة تانية لازم تقروها أنتوا الأول.
فتحت الشنطة وطلعت الملف بهدوء، وطلعت منه الورقة اللي قلبت كيان المكتب كله.
دي وصية جدي صالح المسجلة في الشهر العقاري قبل وفاته بشهرين، ومعاها عقد بيع وشراء نهائي.
أبويا خطف الورقة من إيدي، وعينه كانت بتتحرك بسرعة بين السطور، ووشه بدأ يقلب ألوان.. من الأحمر للأصفر للأزرق. المحامي بتاعه قرب منه بفضول وقرأ معاه، وفجأة المحامي سكت تماماً ورجع خطوة لورا.
جدي مكنش بس سايبلي البيت.. جدي كان ناقل ملكية البيت بيع وشراء باسمي أنا لوحدي من سنين، وكاتب جواب بخط إيده مرفق مع العقد بيقول فيه
للحفيدة اللي شالت الشيلة لوحدها، للي كانت قوية بجد مش بالكلام.. البيت ده مش مجرد حيطان، ده حقك اللي ضاع في سنين
أبويا رمى الورقة على المكتب وصوته بدأ يترعش
إنتي كنتِ عارفة؟ كنتِ عارفة وسايبانا بنحرق في دمنا ومريم بتضيع؟
بصيت له بمنتهى البرود وقلت له
أنا عرفت من يوم ما جدي كلمني بعد التخرج وقالي إنه عمل حسابه. بس مكنتش ناوية أستخدم الورقة دي أبداً.. كنت فاكرة إنكم في يوم هتحنوا، أو هتحسوا بيا. أنا جيت هنا النهاردة وأنا عندي استعداد أمضي وأتنازل وأساعد مريم رغم كل اللي عملتوه.. كنت مستنية بس كلمة واحدة حلوة، أو اعتذار عن السنتين اللي فاتوا.
سكت لحظة وكملت وصوتي ثابت
بس لما سمعت صوت مريم في التليفون وهي بتقول هي بتهبط وتمضي، عرفت إنكم لسه شايفيني البنت الغلط.. البنت اللي سهل تدوسوا عليها. وعشان كدة، مفيش إمضاء، ومفيش بيع.
أبويا قام وقف وبدأ يزعق
إنتي عايزة تخربي بيت أختك؟ الديون هتاكلنا! المحل هيقفل وأنا هخسر بيتي!
وقفت أنا كمان، ولميت ورقي في الشنطة وقفلتها، وقلت له وأنا ماشية ناحية الباب
زي ما كنتوا بتقولوا لي دايماً يا بابا.. مريم قوية وهتتصرف، مريم أكيد هتكتشف الحل لوحدها.. أصل القوي مش لازم حد يحس بالذنب وهو سايبه معاه الأقل.. مش ده كلامكم؟
المحامي حاول يتدخل ويقول كلمة،
البيت ده مش هيتباع، ولو فكرتوا تقربوا منه، الورق ده هيروح للنيابة. مريم عندها محلها، وأنا عندي كرامتي.. والنهاردة، كرامتي كسبت.
خرجت من المكتب، ولقيت عمر مستنيني في العربية بره. ركبت ونفخت نفس طويل كأني كنت شايلة جبل على صدري.
عمر بصلي وسألني عملتي إيه؟ مضيتي؟
ابتسمت له وقلت له
لأ يا عمر.. النهاردة ولأول مرة في حياتي، اخترت نفسي.
عمر دور العربية ومشينا من قدام المكتب وأنا باصة من الشباك على الشوارع اللي كبرت فيها، لأول مرة محسيتش إني غريبة عنها. موبايلي ميسكتش، مكالمات من أمي، ورسايل من مريم كلها شتيمة ودعاء ب قطع الأرزاق، وبعدين قلبت لتمثيل وشحاتة إلحقي أختك هتتحبس.
مسكت الموبايل وعملت حاجة مكنتش أتجرأ أعملها من سنين.. بلوك للكل.
عمر سألني بهدوء أنتِ كويسة بجد؟ مش ندمانة؟
قلتله عارف يا عمر، أنا طول عمري كنت فاكرة إن الحب معناه إني أضحي عشانهم، بس اكتشفت إنهم كانوا بيحبوا تضحيتي مش بيحبوني أنا. جدي صالح كان فاهمهم أكتر مني، كان عارف إنهم هييجوا في يوم ويحاولوا ينهشوا لحمي، فسابلي السلاح اللي أحمي بيه نفسي.
وصلنا البيت، ونزلت رحت قعدت في البلكونة وبصيت للسما. مكنتش بفكر
بعد أسبوع، عرفت من بنت عمي إنهم اضطروا يبيعوا عربية مريم، وأبويا أخد قرض بضمان المعاش عشان يسدد جزء من الديون، ومريم اضطرت تقفل المحل وتشتغل موظفة في شركة صغيرة.
أمي حاولت تبعتلي ناس وسايط عشان أبيع البيت وأديهم الفلوس، بس ردي كان واحد البيت ده ذكرى من ريحة جدي، ومستحيل يتباع عشان يسدد ديون فشل واستهتار.
في يوم جمعة، أخدت عمر ورحنا بيت المصيف. فتحت الباب اللي كان مقفول بقاله سنين، ريحة الخشب والذكريات الحلوة ميت الجو. رحت قعدت على الكرسي الهزاز الأخضر قدام المية، وغمضت عيني. حسيت كأن جدي قاعد جنبي وبيطبطب على كتفي ويقولي نورتي بيتك يا بيجي.. دلوقتي بس حقك رجعلك.
عمر قعد جنبي وقالي المكان هنا يجنن، هدوء ملوش حل.
قلتله بابتسامة المكان هنا بيت يا عمر.. والمكان اللي يحترمك ويقدرك هو ده اللي يستاهل يتقال عليه بيت.
ومن يومها، صفحة أهلي اتقفلت تماماً. مش قسوة قلب، بس نظافة.. لأن في ناس مهما سقتي تُرابهم حب، مش بيطرحوا غير شوك. وأنا خلاص، قررت أعيش في جنينة أنا اللي زرعتها بنفسي.
مرت شهور، وحياتي
متابعة القراءة