ورث الخاله حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

اللي حصل.. في السنين اللي قضيتها بصلح مزاريب بيت خالتك وهي بتضحك وتحكي لي قصصها، وفي السنين اللي هما قضوها يخططوا إزاي ينهبوا الست وهي لسه بتتنفس.
تليفوني رن، كان رقم غريب. رديت، لقيت صوت أمي، بس المرة دي مكنتش بتصرخ ولا بتهدد، كانت بتعيط بكسرة إيثان.. أنا بعت كل دهبي عشان أدفع لرايان كفالة الاستئناف والمحامي نصب عليا.. أنا مش لاقية آكل يا ابني، والبيت اللي أنا فيه صاحبه عايز يرميني في الشارع.
سكتت لحظة، كان ممكن قلبي يحن، بس افتكرت شكلها وهي واقفة ورا رايان وهو بيكسر باب بيتي بالعتلة والشماتة في عينيها. قلتلها ببرود يا أمي، خالتك مارجريت سابت لرايان مجموعة الأسطوانات بتاعتها عشان كان بيحب المظاهر.. وسابتلك أنتِ درس غالي أوي بس إنتِ ملمحتيهوش في الوصية.
درس إيه يا إيثان؟ ارحمني!
الدرس إن اللي يزرع شوك ميطلبش ورد.. أنا مش هرميكي في الشارع، هبعتلك مبلغ صغير كل شهر يمشيكي في شقة بسيطة، بس مسمعش صوتك، ولا أشوف وشك، ولا تحاولي توصلي لي تاني.. ده ثمن الرحمة اللي باقية جوايا، مش ثمن الدم اللي إنتِ بعتيه.
قفلت السكة وغيرت الشريحة خالص.
دلوقتي، وأنا واقف في بلكونة بيتي الجديد، بعيد عنهم وعن غلهم، عرفت إن خالتك مارجريت مورتنيش بس الفلوس،
دي ورثتني القوة إني أقول لأ في وش أقرب الناس ليا لو كانوا بيحاولوا يكسروني.
فتحت أسطوانة من أسطوانات الأغاني القديمة، وصبّيت لنفسي كباية عصير، وبصيت للسما وقلت شكراً يا مارجريت.. الحساب كدة اتقفل بالمليم.
بعد ست شهور، كنت خلاص بدأت أنسى شكل وشوشهم. استقريت في شغلي الجديد، والبيت اللي اشتريته كان فيه جنينة صغيرة، كنت بقعد فيها كل يوم جمعة الصبح وأنا بشرب القهوة وبقرأ الجرنال في هدوء مكنتش أحلم بيه.
وفجأة، جالي إشعار من البنك.
تحويل بنكي بمبلغ 150 ألف دولار دخل حسابي.. المصدر؟ تسييل أصول قديمة لشركة مارجريت.
كلمت فانيسا المحامية فوراً، قالت لي وهي بتضحك إيثان، خالتك دي كانت عبقرية.. مارجريت كانت سايبة وديعة مخفية مربوطة بشرط واحد إنك تنجح في الحفاظ على البيت لمدة ست شهور كاملة بدون ما تتنازل عنه أو تخسر قضية ضد رايان.. الوديعة دي كانت مكافأة الصمود.
ضحكت من قلبي.. الست دي كانت بتختبرني حتى وهي في قبرها، وكأنها كانت عارفة إنهم هيحاولوا يكسروني، وكانت بتشجعني بطريقتها الخاصة.
في نفس اليوم، وأنا خارج من البنك، شوفت ست واقفة قدام المحل اللي في الوش.. كانت ديان، أمي. مكنتش هي الست المتشيكة اللي شايفة نفسها على الكل. كانت لابسة هدوم عادية
جداً، ووشها باهت، وماسكة كيس عيش وبتمشي ببطء.
وقفت بعيد أراقبها. شافتني.. عيني جت في عينها لحظة واحدة. مكنش فيه صريخ، ولا عتاب، ولا حتى نظرة غل. كان فيه هزيمة. هزيمة كاملة. لفت وشها ومشت في سكات، وكأنها اعترفت أخيراً إن الابن اللي كانت ركناه على الرف هو اللي بقى ساند نفسه، والابن اللي كان دهبها هو اللي ضيعها.
روحت السجن زرت رايان لآخر مرة قبل ما أسافر في رحلة طويلة كنت بأجلها. رايان كان ورا القزاز، شعره شاب، وعينه مطفية. بص لي وقال بجمود كسبت يا إيثان.. خدت كل حاجة.
رديت عليه بكلمتين بس أنا مخدتش حاجة يا رايان.. أنا بس حافظت على اللي خالتك أمنتهوني. أنت اللي خسرت نفسك لما افتكرت إن العتلة ممكن تفتح لك أبواب المستقبل.
قمت ومشيت، ومن يومها مابصيتش ورايا تاني.
دلوقتي، وأنا قاعد في مكان بعيد، في بلد تانية، بتفرج على الغروب.. عرفت إن الورث الحقيقي مش هو المليون دولار ولا البيت.. الورث الحقيقي هو إنك تنام بالليل وأنت مش خايف من بكرة، ومش شايل ذنب حد، ومعاك كرامتك اللي لا الفلوس بتشتريها، ولا الأهل يقدروا يكسروها لو أنت مش عايز.
قفلت الملف.. وقفت الأسطوانة.. وبدأت حياتي فعلياً من اللحظة دي.
فاتت سنة كاملة.. السنة دي كانت أول مرة أحس فيها
يعني إيه نفس طالع ونفس داخل من غير خنقة.
في يوم، جالي طرد على عنواني الجديد، من غير اسم راجع. فتحته ولقيت جواه مفتاح قديم مصدي، ومعاه ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط إيد مهزوز ده مفتاح الخزنة اللي في قبو البيت القديم.. أنا كنت مخبيها عن مارجريت نفسها.. خدها، يمكن تسامحني.
الرسالة كانت من رايان.. بعتها عن طريق واحد زميله خرج من السجن.
روحت البيت القديم، البيت اللي بدأت فيه كل الكوابيس دي. دخلت القبو، ونفضت التراب، ولقيت الخزنة ورا رفوف الخشب. فتحتها بالمفتاح، وقلبي كان بيدق.. هل هكتشف مصيبة جديدة؟ هل رايان لسه بيحاول يوقعني؟
فتحت الخزنة، ولقيت جواها ألبوم صور.
صور لينا وأنا ورايان صغيرين، صور مع خالتنا مارجريت في العيد، وصور لأبويا اللي مات وأنا طفل. وتحت الصور لقيت ورقة تنازل قديمة من أمي عن نصيبها في ورث أبويا لصالح رايان بس، من عشرين سنة!
في اللحظة دي فهمت كل حاجة.. فهمت ليه أمي كانت بتموت في رايان وبتكرهني، وليه رايان طلع بالجشع ده. هي اللي زرعت فيه إنه يستحق كل حاجة وإني ماليش حق في أي حاجة من زمان.
أخدت الألبوم، والورقة، وقفلت القبو وطلعت. رحت لأمي في شقتها الصغيرة.. خبطت، فتحت لي وهي مذهولة. دخلت وحطيت الورقة قدامها على الترابيزة.

بصت للورقة وبدأت تترعش وتعيط..
تم نسخ الرابط