هنا وعمر حكايات صافي هاني
المسدس كان قريبة من وش هنا لدرجة إنها شمت ريحة الزيت اللي على المعدن.
عمر المنشاوي صوتُه معليش.. الرجالة اللي زيه مش محتاجين يعلّوا صوتهم أصلاً. المكان كله سكت عشانه؛ ، الحرس اللي واقفين وراه بسلاحهم، حتى صوت العاصفة اللي بتخبط في شبابيك المطعم فوق، وحتى نَفَس هنا نفسه كأنه مستني منه إذن عشان يطلع.
قال ببرود سيبي بنتي ونزليها الأرض.
هنا كانت قاعدة على أرضية الحجر الساقعة، وفيه طفلة عندها أربع سنين بتنزف وماسكة في بكل قوتها، لبس الجرسونات اللي هنا لابساه كان غرقان مطر وطين ودم حد تاني خالص. هي لسه متعرفش مين هو عمر المنشاوي ده بالظبط، بس فهمت كفاية من عينيه. دي مش مجرد عيون أب خايف؛ دي عيون راجل دفن أعداءه، وأسراره، وغالباً دفن أجزاء من روحه في مكان غريق مبيوصلوش الضوء.
هنا همست وهي بتترعش أنا أنقذتها.. أرجوك، أنا معرفش حاجة.
عمر قرب خطوة، وفوهة مسدسه لمست طرف راسها.
قالها كنتي مستخبية معاها.. وده معناه يا إما أنقذتيها، يا إما كنتي مستنية اللحظة اللي تسلميها فيها.
ريق هنا نشف وصوتها اتحبس أنا مجرد جرسونة.
رد عليها عمر في عالمي أنا، حتى الجرسونات بيبقى ليهم ثمن.
البنت الصغيرة اللي في هنا مكنتش طلعت صوت واحد من ساعة ما هنا سحبتها من الزقاق. مصوتتش لما الرصاص كسر الطوب وراها، ولا عيطت لما هنا جرت بيها من باب الخدمة وحبستهم في المخزن.. كانت بس بتترعش وهي ماسكة أرنوب قماش لونه أبيض ومخيطين مكان عينه زرار بفتلة حمرا.
دلوقتي، والمسدس على دماغ هنا، البنت رفعت وشها براحة.
عينيها البني اتحركت من عمر ل هنا، وحاجة في جسمها الصغير المتجمد كأنها انفتحت فجأة.
همست لأ.
عمر اتسمر
واحد من رجالته خد نفسه بصعوبة يا باشا...
صوابع البنت الصغيرة قفلت جامد على لبس هنا.
وبعدها قالت الكلمة اللي غيرت حياة الكل.
ماما.
المسدس نزل نص بوصة لتحت.
عمر المنشاوي، أكتر راجل بيخافوا منه في اقتصاد الضلمة، بان على وشه كأن حد ضربه برصاصة في قلبه.
هنا مكنتش فاهمة حاجة.. مكنتش تعرف إن ليلى بنت عمر منطقتش كلمة واحدة من 13 شهر. مكنتش تعرف إن نادية مرات عمر اتقتلت قدام البنت في حادثة البوليس قال عليها تثبيت وسرقة عربية، بس كل عيلة إجرامية في البلد فهمت إنها كانت رسالة. مكنتش تعرف إن الدكاترة والمعالجين والمتخصصين فشلوا يخلوا ليلى تنطق حرف واحد من صدمتها.
كل اللي هنا كانت عارفاه إن فيه طفلة ندهت لها ماما في الوقت اللي فيه راجل خطر ماسك حياتها بين صوابعه.
هنا قالت والدموع نازلة على وشها أنا مش.. أنا مش مامتها.
عمر فضل باصص لها، ولأول مرة، الشك والريبة اتحولوا لحاجة أرعب من الغضب.
تحولوا لنظرة معرفة.
مش لإنه يعرفها..
لكن لإن بنته، لسبب ما، هي اللي عارفاها.
عمر المنشاوي فضل باصص ل هنا بنظرة غريبة، كأنه بيحاول يحل لغز مستحيل. المسدس لسه في إيده بس مكنش موجهه لراسها زي الأول.
إنتي مين؟ سألها بصوت واطي ومرعب، ومين اللي باعتك؟
هنا كانت بتشهق من الخوف والله العظيم ما حد بعتني! أنا بشتغل هنا بقالي شهرين.. اسأل صاحب المطعم، اسأل أي حد! أنا شفت الرجالة وهما بيجرو وراها في الركن اللي ورا، مقدرتش أسيبها..
ليلى، البنت الصغيرة، مكنتش مستعدة تسيب هنا. كانت دافنة وشها في رقبة هنا وبتعيط بصهيل مكتوم، صوت مطلعش منها من يوم مقتل أمها.
عمر شاور لرجالة من اللي واقفين وراه
واحد من الحرس قرب عشان ياخد ليلى هنا، بس البنت صرخت صرخة خلت الكل يتنفض. صرخة وجع خلت عمر يرفع إيده ويوقف الراجل مكانه.
سيبها. عمر قالها وهو عينه مش مفارقة هنا. هتخرج معانا.
هنا برقت بعينها أخرج فين؟ أنا عايزة أروح!
عمر قرب منها، ملامح وشه كانت قاسية زي الصخر انتي دلوقتي بقيتي أغلى حاجة عندي، وأخطر حاجة عليا. بنتي نطقت أول كلمة بسببك، وده معناه يا إما إنتي ملاك باعتُه ربنا.. يا إما إنتي فخ منصوب بدقة عشان توصلي لقلبي.
مد إيده ومسك دراعها وقومها من على الأرض بقوة بس بدون عنف لحد ما أعرف إنتي مين بالظبط، إنتي مش هتفارقي عيني.. ولا هتفارقي بنتي.
وهما خارجين من المخزن، هنا شافت جثث الحرس اللي كانوا بيطاردوا البنت مرميين على الأرض.. فهمت ساعتها إنها مش بس دخلت بيت المنشاوي، هي دخلت حرب، والكلمة اللي البنت قالتها كانت هي رصاصة البداية.
عمر وهو بيركبها العربية المصفحة، مال على ودنها وهمس لو اكتشفت إن ليكي علاقة باللي حصل لمراتي، الموت هيكون أمنية بعيدة عنك.
العربية انطلقت في وسط المطر، وهنا كانت لسه البنت اللي نايمة على صدرها، وهي حاسة إن حياتها القديمة كجرسونة انتهت للأبد، ومن اللحظة دي.. هي بقت الأم البديلة في وسط غابة من الديابة.
قول كمل عشان أنزل الجزء التالت
العربية المصفحة وصلت قدام قصر المنشاوي، مكان أشبه بالقلعة، أسوار عالية وكاميرات في كل حتة. هنا كانت حاسة إنها في حلم مرعب، ليلى نامت من كتر التعب وهي لسه ماسكة
عمر نزل من العربية وفتح الباب بنفسه، ملامحه لسه مصلبة. شيلها وطلعيها ورايا، قالها بصيغة أمر مفيش فيها نقاش.
دخلوا القصر، وهنا كانت مبهورة وخايفة من الفخامة اللي حواليها. طلعوا لجناح واسع جداً، كله لعب أطفال بس كان كئيب وساكت. هنا نيمت ليلى في سريرها براحة، وحاولت تسحب إيدها، بس البنت وهي نايمة كأنها حست، كرمشت وشها وبدأت تطلع صوت عياط مكتوم، ف هنا اضطرت تقعد جنبها وتطبطب عليها لحد ما هديت خالص.
عمر كان واقف عند الباب، مراقب كل حركة بتعملها هنا بعيون صقر. شاور لها تطلع بره الأوضة.
في الصالة اللي بره، كان فيه ست عجوزة ملامحها طيبة بس باين عليها القلق، أول ما شافت عمر جريت عليه يا بني، ليلى كويسة؟ بيقولوا إنها نطقت؟
عمر هز راسه وبص ل هنا نطقت يا دادة.. وقالت ماما للبنت دي.
الدادة بصت ل هنا باستغراب وذهول، وبعدين بصت لعمر بخوف بس يا عمر.. نادية الله يرحمها مكنش ليها قرايب، والبنت دي شبهها في إيه عشان تغلط الغلطة دي؟
عمر قرب من هنا لحد ما بقى مفيش بينه وبينها غير سنتيمترات، سحب السلسلة اللي في رقبتها فجأة. هنا اتخضت، بس هو كان باصص لمدالية صغيرة فيها صورة قديمة.
الصورة دي لمين؟ عمر سألها وصوته غريب، فيه نبرة شك على صدمة.
هنا بلعت ريقها دي أمي.. ماتت وأنا صغيرة.
عمر فتح الموبايل بتاعه وطلع صورة لمراته المقتولة نادية. هنا لما شافت الصورة جسمها سقع.. الملامح كانت قريبة جداً، مش توأم، بس فيه روح واحدة في العينين، نفس النظرة ونفس الضحكة المكسورة.
في اللحظة دي، دخل واحد من رجالة عمر وهو بينهج ومعه لاب توب يا باشا، عرفنا مين اللي كان ورا