الهروب من الجحيم حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

معداش خمس دقايق على إمضائي لورقة الطلاق، ولقيته قدامي بيمسك الموبايل وبيرد على السنيورة بتاعته، وبأحن صوت سمعته في حياتي بيقولها إنه جاي حالاً عشان يشوف ابنهم.
في اللحظة دي اتأكدت إني مخسرتش جوازي الصبح.. أنا هربت منه.
مكتب المحامي كان هادي ومنظم زيادة عن اللزوم، ميكشفش أبداً حجم الخراب اللي كان قاعد حوالين التربيزة. أنا اسمي كاترينا، عندي ٣٢ سنة، وأم لطفلين مكملوش العشر سنين، ولسه حالا ناهية تمن سنين جواز من داوود.. الراجل اللي عيط وهو بيلبسني الدبلة ووعدني إني عمري ما هكون لوحدي في الدنيا دي.
عرفت متأخر إن الوعود غالباً بتكون مجرد كدب متغلف بورق هدايا.
الساعة كانت ١٠ و تلات دقايق. القلم لسه ملمسش المكتب لما تليفون داوود نور، مردش حتى يبصلي وهو بيفتح الخط.
قال وهو بيقوم بقلة صبر أيوه يا حبيبتي، خلصت. عشر دقايق وأكون عندك قبل ما تدخلي.. السونار النهاردة صح؟
ضحك.. تخيلوا ضحك بجد!
وبعدين قال الجملة اللي نسفت آخر وهم كان عندي متقلقيش، العيلة كلها جاية.. مش ابنك ده هو اللي هيشيل اسم العيلة ويرثها في الآخر؟
كان المفروض قلبي يتكسر، بس اللي حسيته كان هدوء غريب ومريب، كأن الوجع اللي جوايا اتحرق لحد ما بقى رماد.
المحامي كح وقدم لداوود بقية الورق يا أستاذ داوود، يا ريت تراجع بنود التسوية دي.

.
داوود شاور بيده باستهزاء ومضى من غير ما يقرأ مفيش حاجة تترجع، هي متمسكش مليم. الشقة بتاعتي، والعربية بتاعتي، ولو عايزة العيال تاخدهم.. ده حتى يبقى ريح واستراح.
أخته الكبيرة، مروة، اللي كانت حاشرة نفسها وجاية كأننا في ماتش كورة، ضحكت ببرود فعلاً، داوود بيبدأ صفحة جديدة، مش محتاج شيلة تقيلة تعله.
واحدة من عماته، كانت واقفة بتعدل هدومها وريحة برفنها خنقت المكان، قالت بتكبر من حقه يكون عنده ولد، الكل عارف إن كاترينا مكنتش كفاية بالنسبة له.
وصوت تانية كمل وراها وأخيراً لقى الست اللي هتديله اللي يستحقه.
اللي يستحقه.. مش اللي يستاهله.
طلعت مفاتيح من شنطتي وحطيتها على التربيزة دي مفاتيح الشقة.
داوود استغرب لحظة، وبعدين رجع ضهره لورا بطلة نصر كويس، أخيراً فهمتي اللعبة ماشية إزاي.
طنشته تماماً وطلعت باسبورين لونهم أزرق.
قلت ببرود تأشيرات العيال ل لندن طلعت الأسبوع اللي فات.
داوود كشر تأشيرات إيه؟
هاخد العيال وأسافر لندن.
الأوضة اتفتحت فيها طاقة جهنم من السكوت.
مروة كانت أول واحدة تنطق نعم يا اختي؟ هتعملي إيه؟
بصيت في عينه مباشرة هاخد ولادي وأسافر.
داوود ضحك ضحكة صفرا انتي حيلتك حاجة تدفعي بيها مصاريف المحاميين يا كاترينا؟ هتسفريهم إزاي بالظبط؟
متشغلش بالك بفلوسي.
زعق وقال دول ولادي!
وانت
لسه ماضي حالا على ورقة بتقول إني أخدهم.
بوز أخص منه فتح بقه ومكنش عارف يرد، لأول مرة شفت في عينه شك.. مش ندم ولا حزن، هو بس اتفاجئ.
وقفت ولميت حاجتي مش قلت إنك مستعجل؟ السنيورة مستنياك.
وشه قلب متعمليش فيها عزيزة النفس قوي، انتي خسرتي.
وطيت شلت بنتي خديجة على كتفي، كانت قاعدة بتلون في هدوء، الهدوء اللي بيتعلمه العيال لما الكبار يخذلوهم. وابني آدم جه مسك في إيدي.
وفي اللحظة دي، وكأن القدر مرتبها، وقفت عربية مرسيدس سوداء قدام الباب. السواق نزل فتح الباب الوراني وسأل يا مدام كاترينا، جاهزة؟
داوود بلم في العربية وفيّا إيه ده؟
بصيتله لآخر مرة، كان نفسي أقوله ده شكل الست اللي كنت مستهون بيها لما تقرر إنها مش هتشحت منك لقمة تاني.
بس اللي قلته فعلاً من اللحظة دي، أنا وولادي مش هنضايقك في حياتك الجديدة.
ومشيت قبل ما يلحق يرد، وسمعت أخته مروة ورايا بتقول دي بتهدد بس.
بس أنا مكنتش بهدد، أنا كنت بخطط لده من أسابيع.
أول ما ركبت العربية، السواق اداني ظرف كبير الأستاذ مراد قالي أسلمك ده شخصياً.
فتحت الظرف والعربية ماشية، لقيت كشوفات بنكية، وسجلات عقارات، وصور. في صورة منهم كان داوود واقف مع عليااللي عندها ٢٦ سنةفي مكتب عقارات بيوقعوا عقد شقة فاخرة.
مصدر الفلوس اللي دفعها كان متحدد بماركر.. حسابات
تابعة لشركته اللي كان بيحلف لي إنها بتخسر وتفلس.
وفي ورق تاني أصعب، فلوس كانت بتتحول من حساباتنا المشتركة لحسابات وهمية عشان يشتري عقارات تانية ويخبيها.
عمي نبيل كان عنده حق، داوود مخانّيش بس، دا كان بيسرقني عشان يبني حياة تانية بفلوسي اللي لسه تحت ضوافره.
آدم قالي ماما؟
بصيتله بحنان نعم يا حبيبي؟
هو بابا جاي ورانا؟
طبطبت على شعره لا يا حبيبي، مش النهاردة.
هز راسه كأنه كان متوقع الرد ده.
تليفوني رن.. رسالة من المحامي بتاعي وصلوا العيادة. الدكتور معاه الملف. خليكي هادية واركبي الطيارة.
بصيت من الشباك وشفت شوارع البلد بتجري ورايا بوجعها وذكرياتها.
في اللحظة دي، عيلة داوود كلهاأمه مروة، وأخته، وعماته وخالاته، وداوود نفسهكانوا متجمعين حوالين عليا في جناح ال VIP في عيادة خصوبة خاصة، بيباركولها على الولد اللي هيشيل اسم عائلة داوود للجيل الجاي.
كانوا مجهزين شربات، وهدايا، وكانوا خلاص مسحوني من ذاكرتهم.
محدش فيهم كان يعرف إن قبل الظهر، الدكتور هيقول جملة واحدة هتخلي الصمت يخرس الأوضة كلها، جملة هتفضح عليا وتدمر أحلام داوود اللي فاكر إنه ملك بيها الدنيا.
ومحدش فيهم كان يعرف إن وهما بيحتفلوا بالطفل اللي فاكرين إنه هياخد مكان ولادي، أنا كنت في طريقي للمطار، لبلد تانية، ولأول مرة في حياتي كنت
قادرة أتنفس بجد.
داخل العيادة، كانت عليا قاعدة على السرير
تم نسخ الرابط