الهروب من الجحيم حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

والابتسامة مش مفارقة وشها، وحواليها عيلة داوود كأنهم بيحتفلوا بفتح عكا. أم داوود كانت بتمسح على بطن عليا وبتقول لها أخيراً يا بنتي، أخيراً البيت هيتمله بصوت ولد يرفع راسنا.
داوود كان واقف وفارد ضهره، عينه بتلمع بالانتصار وهو بيبص للممرضة وهي بتجهز جهاز السونار.
دخل الدكتور الأوضة، وشه مكنش مريح، كان ماسك ملف في إيده وعمال يبص فيه ويبص لداوود ولعليا باستغراب.
داوود قاله بلهفة ها يا دكتور؟ طمنا.. الولد عامل إيه؟ وريني ولي العهد.
الدكتور قلع النظارة وحطها على المكتب، وسكت لحظة كانت تقيلة زي الجبل، وبعدين قال بكل برود
أنا مش فاهم انتوا بتباركوا على إيه؟ مدام عليا مش حامل أصلاً.
الأوضة فجأة اتحولت لقطعة من التلج. ضحكة أخت داوود وقفت في نص زورها، وأمه سابت إيد عليا وكأنها اتكهربت.
داوود بلم، ولسانه ثقل إيه اللي بتقوله ده يا دكتور؟ إحنا شايفين التحاليل، وعليا تعبانة بقالها شهرين، والسونار اللي فات...
الدكتور قاطعه بحدة وهو بيرمي الملف قدامه السونار اللي فات ده كان مزور، والتحاليل دي لست تانية خالص. مدام عليا عندها حالة نفسية خلتها توهم نفسها وتوهمكم، أو بالأصح.. هي كانت بتضحك عليكم.
وبص لعليا اللي وشها بقى زي الورقة البيضا وبدأت تترعش،
وكمل كلامه اللي كان زي الرصاص
والأهم من كل ده يا أستاذ داوود.. التقرير الطبي اللي في ملفك بيقول إنك عندك عقم كامل من سنين، ومستحيل تخلف أصلاً. يعني حتى لو كانت حامل، مكنش هيبقى منك!
في اللحظة دي، الدنيا دارت بداوود. بص لعليا لقاها نزلت راسها في الأرض ودموعها نزلت من الخوف مش من الندم. بص لعيلته اللي كانت من شوية بتقول عليه سيد الرجالة ودلوقتي بيبصوا له بشفقة واحتقار في نفس الوقت.
داوود افتكر آدم وخديجة.. ولادي.
افتكر إني كنت دايماً بقوله إنهم معجزة من ربنا، وإني عملت المستحيل وعمليات صعبة عشان أحقق له حلمه، وهو في الآخر رماني ورمى ولاده عشان وهم.. عشان كدبة.
طلع موبايله بإيد بترعش وحاول يتصل بيا. مرة.. اتنين.. عشرة.
بس التليفون كان بيدي الجرس الدولي وبعدين اتقفل خالص.
في الوقت ده، كنت أنا في الطيارة، ربطت حزام الأمان لآدم وخديجة. بصيت من شباك الطيارة وهي بتعلى فوق السحاب، وابتسمت لأول مرة من قلبي.
أنا مكنتش بهرب.. أنا كنت ببدأ.
وهو؟ هو دلوقتي محبوس في أوضة العيادة مع عيلة مش هتسامحه، وست كدبت عليه، وحقيقة مرة هتلازمه طول عمره
إنه خسر الأصل وهو بيجري ورا السراب.
داوود انهار على الكرسي، وشه بقى أصفر زي الكركم، والصدمة لجمت لسانه.
أخته مروة بدأت تزعق في عليا وتسب وتلعن، وأمه قعدت تلطم وتقول يا فضيحتنا وسط الناس، يا خيبتك يا داوود.
عليا حاولت تمسك إيده وهي بتعيط داوود، أنا عملت كده عشان بحبك، عشان كنت خايفة تسيبني...
نتر إيدها عنه كأنها عقربة، وعينه كانت بتطلع شرار. طلع يجري من العيادة زي المجنون، ركب عربيته وطار على البيت.. قصدي الشقة اللي طردني منها الصبح.
دخل الشقة وهو بينهج، كان عنده أمل ضعيف إني لسه هناك، إني بلم شنطي، إني هعيط وأقوله أنا مسمحاك. لكن الشقة كانت هو هس.. سكون يرعب.
دخل أوضة العيال، لقاها فاضية تماماً، مفيش حتى فرشة سنان. دخل أوضتنا، لقى الدولاب مفتوح ومسحول منه كل حاجة تخصني.
على التسريحة، لقى ورقة صغيرة مطوية، فتحها بإيد بتترعش، كان مكتوب فيها
يا داوود، اللي يبيع الأصل عشان يشتري الوهم، لا بيطول ده ولا بيعيش في ده. أنا كنت عارفة إنك مابتخلفش من ٤ سنين لما شفت تقريرك بالصدفة، وسكتّ وقولت أجبر بخاطرك وعملت المستحيل عشان ولادي م يحسوش بنقص.. لكن أنت مكنتش تستاهل الستر. اشبع بقى باللي تستحقها.
داوود رمى الورقة وصرخ بأعلى صوته، قعد على الأرض يفتكر شكل آدم وهو بيمسك إيده، وضحكة خديجة الصبح وهي بتقوله باي باي يا بابي. عرف إن الباي باي دي كانت
للأبد.
في اللحظة دي، الطيارة كانت بدأت تنزل في مطار هيثرو في لندن.
الجو كان مغيم ومطر خفيف بيخبط على الشباك، بس كان أنقى هوا شميته في حياتي.
آدم بص لي وقال ماما، إحنا هنعيش هنا خلاص؟
قلت له وأنا ببتسم وببوس راسه آه يا حبيب ماما، هنعيش هنا.. في المكان اللي محدش فيه هيقول علينا شيلة تقيلة.
فتحت موبايلي ولقيت مية مكالمة فايتة من داوود، ومية رسالة اعتذار وتوسل. مسحت كل ده، وعملت بلوك للتاريخ كله.
خرجت من المطار، لقيت عمي نبيل واقف مستنينا وفتح دراعاته للعيال. بصيت للسما وقولت شكراً يا رب.. إنك فوقتني قبل ما العمر يسرقني مع حد مبيشوفش غير نفسه.
داوود خسر كل حاجة في يوم واحد فلوسه اللي سرقها لأن المحامي مراد كان بدأ إجراءات الحجز عليها، وعيلته اللي اتهدت، وصورته قدام نفسه.
أما أنا.. فكنت لسه ببدأ أول خطوة في طريق مكنش فيه داوود، ولا كدبه، ولا عيلته.. كان فيه أنا، وولادي، وبس.
بعد ست شهور، كنت قاعدة في كافيه صغير في قلب لندن، المطر بره بينقط على الشباك وصوت فيروز شغال في الخلفية من لاب توب واحد مصري قاعد جنبي، الجو كان فيه ريحة حرية مشفتهاش طول سنين جوازي.
تليفوني نور برسالة من عمي نبيل في مصر، بعتلي صورة لداوود وهو خارج من المحكمة.
منظره كان يصعب على الكافر؛ شعره شاب،
تم نسخ الرابط