عودة الابطال الضاله حكايات صافي هاني
أهلي مسابوليش حتى كرسي في عشا الترحيب بأخويا. أبويا رفع كأسه وقال فيه ناس اتولدت عشان تأمر. وما بصليش خالص. بالنسبة لهم، أنا البنت اللي سابت الكلية الحربية واختفت. فضلت ساكتة.. لحد تاني يوم الصبح، لما شافني صول في قاعدة تدريب أخويا، وراح ضارب تعظيم سلام، وقال كلمة واحدة خلت بندقيته تخبط في الأرض من الصدمة يا فندم.. يا سيادة الجنرال.
الجزء 1 الكرسي اللي نسوه
نور البلكونة لسه بيقطع ويرعش فوق باب بيت أهلي، زي ما كان وأنا مراهقة بالظبط.
وقفت تحت والشنطة القماش واجعة كتفي، وراقبت اللمبة الصفرا الضعيفة وهي بتطفي وتنور في البرد. وكأن البيت نفسه مش متأكد إذا كنت أنتمي للمكان ده ولا لأ.
من شباك الصالة، كانت أوضة السفرة منورة ودافية. شوفتهم بيضحكوا حوالين الترابيزة. إيد أمي كانت بتتحرك بتوتر جنب طقم الصيني الغالي. وأبويا ساند ضهره على الكرسي وعلى وشه الابتسامة الفخورة اللي بيشيلها بس للرجالة اللي بيعجب بيهم.
كان فيه يافطة مفرودة في الصالة مكتوب عليها حمد الله على السلامة يا ملازم نوح.
اسم أخويا بيلمع باللون الأزرق.. واسمي أنا ملوش وجود.
فتحت الباب.
ريحة الأكل والبيت خبطت في وشي الأول. الصالة فضلت دوشة لثانيتين كمان قبل ما حد ياخد باله مني.
نوح أخويا كان قاعد في نص الترابيزة ببدلته العسكرية،
كل الكراسي كانت مشغولة.
عمتي ليديا هي اللي شافتني الأول وقالت أوه.. إنتي جيتي!
وقتها الكل بص لي.
أمي استوعبت الموقف بسرعة وقالت مارا، حبيبتي.. مكنّاش متأكدين إنك جاية.
أنا قلت إني هاجي.
كان فيه كروت بأسماء الكل على الكراسي. نوح، أمي، أبويا، عمتي، عمي فرانك، جدتي.. حتى ست جارتنا.
إلا مارا.
أبويا سلك زوره بس مقامش من مكانه أكيد الطريق من المكان اللي بتشتغلي فيه كان زحمة.
المكان اللي بتشتغلي فيه.. ده الاسم اللي بيوصفوا بيه حياتي دلوقتي. حاجة مبهمة، ملهاش لازمة ولا تستحق التفاصيل.
أمي شاورت ناحية البلكونة فيه كرسي بيتطبق بره.
نوح بص في طبقه.
الموقف وجعني أكتر ما كنت متخيلة.
جبت الكرسي بنفسي، ورجليه المعدن عملت صوت صريخ على الأرض. محدش اتحرك يوسع لي مكان، فرحت حطاه في الزاوية، نصي في أوضة السفرة ونصي سادد طريق المطبخ.
قعدت وخلاص.
أبويا كمل كلامه عن الانضباط والقيادة والقوة، وقال إن نوح طول عمره اتخلق عشان يقود. وعينيه ملمستش عيني ولا مرة.
ربعت إيدي وشوفت أثر جرح قديم على صوابعي. الجرح ده كان من عملية في براغ، بس محدش في الأوضة دي هيعرف ده أبداً. هما فاكرين إن الجروح لازم وراها حكاوي تافهة.
عمتي
حاجة زي كدة.
ولسه بتلبسي أسود برضه؟ وضحكت لسه في المرحلة دي؟
ابتسمت وقلت لها فيه بدلات رسمية مبيجيش منها ألوان.
ضحكت عشان افتكرتني بهزر. بعدها قمت لميت الأطباق اللي مأكلتش منها أصلاً. محدش طلب مني، بس هما اتعودوا في العيلة دي إن لو خليت نفسي مفيدة كفاية، بينسوا يكسفوني.
في المطبخ، والمية الساقعة نازلة على إيدي، شوفت وشي في انعكاس الشباك واحدة عندها واحد وتلاتين سنة، تعبانة، ساكتة، ملامحها مبيبانش عليها حاجة. ومن ورايا ضحكهم مالي الصالة.
صوت أبويا علي وهو بيقول كان المفروض أكاديمية ويستبريدج تعدل مارا.. منحة كاملة وأعلى درجات، وبعدين تسيبها وتختفي من غير تفسير.
أمي اتنهدت طول عمرها حساسة.
حساسة.. ده الوصف اللي بيوصفوا بيه البنت اللي مابقتش بتنام. البنت اللي اتعلمت إن صوت الخطوات في الممر معناه خطر. البنت اللي مشيت لأن بقاءها كان هيدمرها.
حطيت براد القهوة وقلت بهدوء عمركم سألتوا نفسكم أنا مشيت ليه؟
الأوضة كلها سكتت وتلجت.
أبويا ضغط على سنانه وقال إحنا عارفين السبب.
قلت له لأ.. إنتوا عارفين اللي قررتوا تصدقوه.
أمي همست مارا، مش وقته الليلة دي.
طبعاً.. مش في ليلة نوح. مش في القصة اللي هو فيها البطل الناجح وأنا
خدت شنطتي.
أمي استغربت إنتي ماشية؟
أنا أصلاً مقعدتش.
محدش رد.
وعند الباب سمعت صوت كرسي نوح بيتحرك، لثانية افتكرت إنه هيجي ورايا.
بس أبويا قال بصوت حازم اقعد يا ابني.
ونوح قعد.
بره، موبايلي رن.
رقم غير معروف، ورسالة واحدة تمت الموافقة على تصريح المراقبين. التقرير الساعة 0600.
الموقع كان قاعدة تدريب نوح.
والاسم اللي تحت الرسالة كان اسم أنا دفناه من ست سنين.
وصلت قدام بوابة القاعدة العسكرية الساعة 6 الصبح بالظبط. الضباب كان مغطي المكان، والجو تلج، بس أنا كنت لابسة جاكيتي الأسود ورقبتي مفرودة.. النفس اللي بتنفسه كان طالع منه بخار، بس قلبي كان أبرد من الجو.
العسكري اللي واقف على البوابة بص لشنطتي ولهدومي المدنية بنظرة فيها استهزاء وقال بنبرة ناشفة ممنوع الدخول يا آنسة، دي منطقة تدريب خاصة لطلبة الكلية، تقدري تستني في الاستراحة لو ليكي حد جوه.
طلعت الكارت التعريفي بتاعي من غير ولا كلمة. العسكري خده وهو لسه راسم نص ابتسامة، بس أول ما عينه جت على الختم المائي والشرائح الذهبية، الابتسامة اختفت.. وشه بقى أبيض زي الورقة، ووقف انتباه لدرجة إن كعبه عمل صوت خبطة في الأرض الرملية.
تمام يا فندم! اتفضلي يا سيادة الجنرال! مكنتش أعرف إن حضرتك...
قاطعته بإشارة من إيدي ودخلت.
في نص