عودة الابطال الضاله حكايات صافي هاني
لابس بدلة الخروج الرسمية، وشه ممسوح منه أي تعبير غير الذهول. طول الطريق مكنش قادر ينطق، بس عينيه كانت بتراقب كل تفصيلة العربية المصفحة، الحراسة اللي بتأمن الطريق، والجهاز اللاسلكي اللي مبيفصلش جنبي.
وصلنا مبنى القيادة العامة. دخلت ومن ورايا نوح اللي كان بيحاول يداري ارتباكه وهو شايف كبار الضباط بيقفوا انتباه وبيؤدوا التحية العسكرية وأنا ماشية.
دخلت مكتبي، رميت المفاتيح على المكتب وبصيت لنوح اقعد يا سيادة الملازم.
قعد وهو مشدود مارا.. أنا مش فاهم حاجة. ليه عملتي كدة؟ وليه دلوقتي؟
سندت ضهري على الكرسي وقلت له عملت كدة عشان أحميك. أبوك كان هيدمرك بطموحه اللي ملوش سقف، كان هيخليك مجرد نسخة منه.. ضابط بيسمع الكلام وبس. أنا سحبتك لعالم تاني، عالم القرارات فيه بتغير خريطة العالم، مش مجرد طابور عرض ونيشان على الصدر.
فجأة، تليفون المكتب السري رن. رفعت السماعة، الصوت كان أجش سيادة الجنرال، الهدف X ظهر في منطقة العمليات ب. محتاجين أمرك بالتحرك.
بصيت لنوح، وشوفت في عينيه الخوف والفضول في نفس الوقت. قلت في التليفون انتظروا. هبعت لكم المساعد الشخصي بتاعي يستلم التقرير الميداني الأول. جهزوا طيارة هليكوبتر في الموقع 4.
قفلت السكة وبصيت لنوح أول مهمة ليك بتبدأ دلوقتي. هتنزل الميدان، مش كطالب، ولا كابن فخور لأبوه.. هتنزل كعيني اللي بشوف بيها. لو نجحت، هتبقى بدأت أول خطوة في طريق مبيوصلوش غير اللي قلبهم ميت.
نوح بلع ريقه وقام وقف وأبويا؟ وأمي؟
ابتسمت ببرود أبوك دلوقتي بيحكي للجيران كلهم إن بنته جنرال، وأمك غالباً بتجهز عشا جديد.. بس المرة دي، هيحطوا الكرسي بتاعي في راس الترابيزة قبل ما أوصل بساعتين.
فتحت الدرج وطلعت منه جهاز تشفير صغير واديتهوله اتفضل. الطيارة مستنية على السطح. وريني الملازم نوح هيعمل إيه لما يتحط في النار الحقيقية.
نوح خد الجهاز، أدى التحية العسكرية بجدية لأول مرة في حياته، وخرج.
فتحت شاشة المراقبة اللي قدامي، وراقبت طيارة الهليكوبتر وهي بتقلع من فوق المبنى.
مسحت الرسالة من غير ما أرد. الفخر اللي بيجي بعد السلطة، ملوش طعم. وقفلت الشاشة ورجعت لشغلي.. الحرب مبتستناش حد يخلص مشاكله العائلية.
عدى أسبوع كامل. مكتب القيادة مكنش بيفضى، والتقارير كانت بتنزل على مكتبي زي المطر، بس عيني مكنتش بتفارق شاشة تتبع موقع نوح. كان في منطقة جبلية وعرة، بيراقب تحركات خلية تهريب دولية.. أول اختبار حقيقي ليه بعيد عن برستيج البدلة ونظرات الفخر بتاعة أهله.
الساعة كانت 2 بعد نص الليل لما الباب اتفتح ودخل نوح.
منظره كان يصدم. البدلة الرسمية اتقطعت، وشه كان عليه آثار تراب ودم جاف، وإيده كانت مربوطة بشاش ملوث. ملامحه مكنتش ملامح الولد اللي كان قاعد على السفرة من أسبوع؛ عينيه كان فيها نظرة الألف ميل.. النظرة اللي مبيفهمهاش غير اللي شاف الموت وبص له في عينه.
حط الجهاز على مكتبي وقال بصوت ناشف تمت المهمة يا فندم. التقرير كامل على الجهاز.. والهدف تم تحييده.
قمت من مكاني، قربت منه وبصيت على الجرح اللي في إيده اتصبت إزاي؟
رد وهو بيحاول يثبت طوله مهمش يا فندم.. المهم إن الشغل خلص.
ابتسمت نص ابتسامة وقلت له دلوقتي بس أقدر أقول لك مبروك.. إنت بقيت ضابط بجد. روح ارتاح، وقدامك 24 ساعة إجازة.
هز رأسه وجاي يخرج، بس وقف عند الباب وقال مارا.. أنا روحت البيت قبل ما أجي هنا.
رفعت حواجبي وشوفتهم؟
شوفت أبوكي. نوح ضحك ضحكة وجع كان قاعد في الصالة، وفاتح ألبوم الصور بتاعك وإنتي صغيرة. أول ما شافني بالمنظر ده، اتفزع وجري عليا، بس مكنش بيسألني إنت كويس؟.. كان بيسألني أختك قالت عليك إيه؟ راضية عن أدائك؟.
سكت نوح شوية وكمل الراجل ده مبيحبش الأشخاص يا مارا، هو بيحب المقام. لولا إنك جنرال، كان زمانه دلوقتي بيأنبني إني جيت بهدومي متوسخة كدة.
قلت له ببرود وده اللي هيخليك أقوى. إنك عارف الحقيقة.
تاني يوم، روحت البيت من غير حراسة. دخلت لقيتهم
قعدت، وبصيت للأكل، وبعدين بصيت لأبويا في عينه وقلت له نوح اتصاب في المهمة.
أمي شهقت، بس أبويا قال بسرعة فداء للوطن! المهم إنه بيخدم تحت إيدك، ده شرف لينا وليكِ.
حطيت الشوكة من إيدي وقلت بهدوء مرعب أنا مش هنا عشان أسمع خطاباتك يا بابا. أنا هنا عشان أقول لك إن نوح مش هيرجع البيت ده تاني.. أنا نقلت إقامته لسكن الضباط في القيادة.
أبويا وشه اتغير ليه؟ ده بيته!
لأ.. ده كان بيت الملازم اللي كنت بتفتخر بيه. لكن الضابط اللي بيشتغل معايا، محتاج بيئة مفيهاش تزييف. محتاج ناس تحبه لما يفشل، مش بس لما يترقى.
قمت وقفت قبل ما أدوق لقمة واحدة، وطلعت رزمة فلوس وحطيتها على الترابيزة ده ثمن العشا بتاع امبارح والنهاردة.. عشان ميبقاش ليكم فضل عليا ولا عليه.
وعند الباب، لفيت وشي وقلت لأبويا جملة أخيرة على فكرة.. الكرسي اللي في راس الترابيزة ده مريح جداً.. بس
للي يستاهله.
خرجت وركبت عربيتي، وفي الطريق كلمت نوح جهز نفسك.. المهمة الجاية في سيناء، وهتكون إنت القائد.
المرة دي، مكنتش بس بصنع أوامر.. أنا كنت بصنع بطل.
بعد شهرين، كانت سماء سيناء صافية والجو حرارته تحرق الحجر. كنت واقفة في غرفة العمليات المتنقلة، بتابع عبر الأقمار الصناعية تحركات القوة اللي بيقودها نوح. كانت دي أول مرة نوح يكون هو الآمر، والمسؤول عن حياة 12 عسكري معاه.
فجأة، شاشة الرادار بدأت تدي إنذار أحمر. سيادة الجنرال، فيه تشويش على إشارة القوة صقر 1.. فقدنا الاتصال الصوتي مع الملازم نوح.
قلبي انقبض لثانية، بس ملامحي متهزتش. افتحوا التتبع الحراري فوراً، وجهزوا قوة دعم جوي.. مفيش عسكري من رجالتنا يتساب وراه.
ساعتين من الصمت القاتل مروا كأنهم سنين. كنت واقفة قدام الشاشات، إيدي ورا ضهري، وعقلي بيحسب كل الاحتمالات. هل غامرت بيه بدري؟ هل كان لسه محتاج
فجأة، صوت خشخشة في اللاسلكي.. وبعدين صوت نوح، بس المرة دي كان صوته غريب، صوت راجل عجز في يومين من كتر اللي شافه
القيادة.. هنا صقر 1. تم القضاء على الهدف بالكامل. عندنا مصابين، ومحتاجين إخلاء طبي.. فوراً.
قلت في الميكروفون بصوت واثق الدعم عندك في خلال 5 دقائق يا نوح. عملت شغل كويس.
لما رجعوا القاعدة، روحت استقبلهم بنفسي. الطيارة الهليكوبتر نزلت، والباب اتفتح. نوح نزل وهو شايل واحد من جنوده المصابين على كتفه. كان وشه متغطي بالرمل والبارود، وهدومه غرقانة دم.. بس مش دمه هو.
حط الجندي على النقالة، وبص لي. مأداش التحية العسكرية المرة دي، فضل واقف يبص لي بسكون. مشيت ناحيته، وطلعت منديل من جيب لِبسي العسكري ومسحت جرح صغير على جبهته.
قلت له بصوت واطي كنت خايف؟
بص في الأرض وقال كنت خايف أرجع وأنا خاذلهم.. أو خاذلك.
رفعت راسه بإيدي وقلت له إنت مِلكش دعوة بيا يا نوح. إنت دلوقتي بقيت قائد لنفسك.
بعدها بيومين، موبايلي رن. كان أبويا.
فتحت السكة، وصوته كان واطي، مكسور، مكنش فيه النبرة الواثقة الآمرة بتاعة زمان.
مارا.. أخوكي كلمني. حكالي اللي حصل. حكالي إنه شاف الموت بعينه.
سكتت، فكمل بصوت بيترعش أنا كنت فاكر إن الرتبة دي منظرة.. كنت فاكر إنها يافطة بنعلقها على الباب. أنا مكنتش عارف إنكم بتدفعوا الثمن ده كل يوم.
قلت له ببرود الثمن غالي يا بابا، وعشان كدة مبيعرفش يدفعه غير اللي قلبه نظيف.. مش اللي بيدور على وجاهة اجتماعية.
أبويا كمل أنا بعت كل الكراسي اللي في الصالة يا مارا. واشتريت طقم جديد. والكرسي اللي في راس الترابيزة.. شيلته خالص. مفيش حد فينا أحسن من التاني. لو حابة تيجي إنتي ونوح.. هنقعد كلنا على الأرض، زي ما بدأنا.
ابتسمت لأول مرة من سنين. الجمعة الجاية هنكون عندك.. بس جهز لنا قهوة سادة، عشان لسه ورانا شغل كتير.
قفلت السكة، وبصيت من شباك مكتبي على الميدان. شوفت نوح واقف مع جنوده، بيضحك معاهم ويطمن عليهم. وفي اللحظة دي عرفت، إن البنت اللي اختفت زمان، رجعت النهاردة.
تمت.