عرض زواج من طفل حكايات صافي هاني
المحتويات
حاسة إن رجليها مش شايلاها. خرجوا من الباب الخلفي للمطعم، ولقت قدامها أسطول عربيات سوداء فخمة واقفة في الحارة الضيقة، والرجالة واقفين حواليها زي الحرس الجمهوري.
أبانوب فتح باب العربية اللي في النص، وشاور لمارينا تدخل. ركبت وهي حاسة إنها في حلم، وكيرلس نط قعد جنبها وهو ماسك إيدها بتملك طفولي. أبانوب ركب قدام جنب السواق، وطلع سيجار وولعه، والدخان بدأ يملى العربية مع ريحة الجلد الفخم.
إحنا رايحين فين؟ مارينا سألت بصوت مهزوز وهي بتبص من الشباك على سميرة والبلطجية اللي كانوا واقفين يتفرجوا بذهول وخوف.
أبانوب رد من غير ما يلف وشه، وصوته كان زي الرخام رايحين مكان مفيش فيه صبحي ولا سميرة.. مكان مفيش مخلوق فيه يقدر يرفع عينه فيكي.
العربيات اتحركت بهدوء مرعب، وشوية ولقوا نفسهم خارجين من زحمة القاهرة وداخلين على طريق فيه فيلات وقصور. العربية وقفت قدام بوابة حديد ضخمة اتفتحت أوتوماتيك، ودخلوا جنينة واسعة آخرها قصر مبني على الطراز الكلاسيكي.
أبانوب نزل وفتح الباب لمارينا. أول ما نزلت، لقت ست كبيرة في السن، ملامحها طيبة ولابسة لبس شيك، واقفة مستنياهم.
دي دادة سعاد، أبانوب قال وهو بيشاور للست. هتاخدك فوق، تجهزلك أوضة، وتشوف الجروح اللي في إيدك دي. وبالليل.. لينا كلام.
كيرلس ساب إيد مارينا وجري على الدادة حضنها دادة! أنا جبت العروسة! شوفي جميلة إزاي؟
الدادة سعاد بصت لمارينا بابتسامة فيها حزن وشفقة، وقربت منها تعالي يا بنتي، تعالي ارتاحي، شكلك شفتي كتير.
مارينا بصت لأبانوب اللي كان واقف بيراقبها ببرود، وسألت بحدة مفاجئة إنت بتعمل كل ده ليه؟ عشان خاطر ابنك بس؟ ولا عشان تذلني بفلوسك زي ما سميرة كانت عايزة تعمل؟
أبانوب
أنا مابذلش حد يا مارينا.. أنا بمتلك. وابني اختارك، وده معناه إنك بقيتي ملكية خاصة لعيلة المصري. والملكية دي، تمنها غالي أوي.. أغلى من ال ٥٠ ألف دولار اللي كانت سميرة هتبيعك بيهم.
سابها ومشي ودخل المكتب بتاعه، وساب مارينا واقفة في وسط القصر، بين ولد صغير بيعتبرها لعبته الجديدة، وأب بيعتبرها صفقة مش مسموح لها تفشل.
بالليل، مارينا كانت قاعدة في الأوضة، غيرت لبس الشغل ولبست فستان بسيط الدادة جابتهولها، ودهنت مرهم على الكدمات. الباب خبط، ودخل أبانوب. مكنش لابس الجاكت، وقميصه كان مفتوح أول زرارين فيه، وشكله كان أقل رسمية بس أكتر رعباً.
قعد على الكرسي اللي قدامها وحط رجل على رجل سمعت إنك مكلتيش حاجة.
مش جعانة، مارينا ردت بجمود. أنا عايزة أعرف، الجوازة دي هتم إزاي؟ إنت أكيد مش هتجوز ابك اللي عنده ٧ سنين بجد.
أبانوب ضحك ضحكة قصيرة وناشفة أكيد لأ. بس كيرلس محتاج أم.. وأنا محتاج ست البيت يحس بوجودها. والجواز هيكون على الورق قدام الناس، عشان محدش يتجرأ يسألك إنتي مين ولا جاية منين.
طلع ورقة من جيبه وحطها على الترابيزة دي شروطك.. أي مبلغ تطلبيه، أي طلبات، هتتنفذ. مقابل إنك تنسي اسمك القديم، وتعيشي هنا مدام أبانوب المصري..
مارينا بصت للورقة وبعدين بصت في عينيه والتمن؟
أبانوب قام وقف وقرب منها، ولمس وشها بصباعه برقة غريبة التمن إنك متفكريش تهربي تاني.. لأن اللي بيخرج من طوع المصري، مابيرجعش.
وفجأة، سمعوا صوت صريخ كيرلس من الأوضة اللي جنبهم. أبانوب ملامحه اتغيرت في ثانية وبقت كلها قلق وجري على أوضة ابنه، ومارينا جريت
لقت كيرلس نايم على السرير، وشه غرقان عرق وبيصرخ وهو نايم لأ.. متسيبيناش يا ماما.. بابا متخليهاش تمشي!
أبانوب وقف قدام السرير، إيده كانت بتترعش لأول مرة، ومش عارف يعمل إيه. مارينا زقت أبانوب براحة، وقعدت على طرف السرير، وخدت كيرلس في حضنها وبدأت تملس على شعره وتقرا له أبانا الذي في السموات بصوت واطي وجميل.
كيرلس هدي تدريجياً، ومسك في هدوم مارينا ونام وهو مطمن. مارينا رفعت عينيها، لقت أبانوب واقف عند الباب، بيبص لها بنظرة غريبة.. نظرة لأول مرة مكنش فيها برود، كان فيها انبهار مختلط بوجع قديم.
في اللحظة دي، مارينا عرفت إنها مش بس دخلت بيت زعيم مافيا.. دي دخلت وسط جروح ومواجع، وإن مهمتها هتكون أصعب بكتير من مجرد هرب.
أبانوب فضل واقف عند الباب مراقب المشهد في صمت، كيرلس كان نايم في حضن مارينا كأنه لقى أخيراً شط الأمان اللي كان بيدور عليه. مارينا مالت على كيرلس وبسته على جبهته، وبعدين قامت براحة عشان متصحيهوش، وخرجت ورا أبانوب للصالة الكبيرة.
أبانوب كان واقف مديها ضهره وباصص من الشباك الكبير على الجنينة، صوته جه هادي بس فيه نبرة غريبة محدش قدر يهديه وهو في الحالة دي من ساعة ما أمه سابتنا.
مارينا وقفت بعيد عنه شوية وقالت بصدق الطفل ده محتاج حنان يا أبانوب بيه، مش محتاج حرس ورجالة بأسلحة واقفين وراه.
أبانوب لف وشه ليها، وعينيه الرمادية كانت بتلمع تحت ضوء النجف الحنان مبيحميش من الرصاص، والضعف في عالمي معناه الموت. أنا بحميه بطريقتي.
مارينا قربت منه بخطوات ثابتة بس إنت كمان محتاج حد يحميك من نفسك.. البرود اللي إنت راسمه على وشك ده مجرد قناع.
أبانوب ضيق عينيه وقرب منها لدرجة إنها حست بنفسه إنتي جايبة
مارينا منزلتش عينيها من عليه عارفة.. إنت أبانوب المصري، الراجل اللي الكل بيخاف منه. بس إنت اللي طلبت مني أكون موجودة هنا، وإنت اللي دفعت ديوني، يبقى لازم تسمعني.
أبانوب سكت لثواني، كأنه بيعيد حساباته، وفجأة موبايله رن. رد وصوته رجع زي التلج سامعك.. صبحي؟ خليه يستنى.. أنا جاي بنفسي.
قفل الموبايل وبص لمارينا بحدة المعلم صبحي اللي كان عايز يشتريكي باعت لي ناس، فاكر إن الموضوع خلص بشوية فلوس.. أنا هروح أنهي الحكاية دي عشان مسمعش حسهم تاني.
مارينا حست بخوف وقبضت على إيدها هتعمل إيه؟
أبانوب لبس جاكت البدلة بتاعته وهو ماشي ناحية الباب هعرفه إن اللي يدخل في حسابات عيلة المصري، لازم يدفع التمن غالي.. خليكي جنب كيرلس، ومتحاوليش تفتحي الباب لأي حد مهما كان.
خرج أبانوب، والمكان بقى هس هس. مارينا قعدت جنب كيرلس وهي بتفكر في المصير اللي رماها في سكة الراجل ده. مرت ساعات، والفجر بدأ يشقشق، وفجأة سمعت صوت عربيات كتير داخلة الجنينة.
نزلت تجري على السلم، لقت الباب الكبير بيتفتح وأبانوب داخل، قميصه كان عليه بقع دم، ووشه كان فيه جرح صغير لسه بينزف، بس نظرة النصر كانت واضحة في عينيه.
عملت إيه؟ مارينا سألت بنهجة.
أبانوب بصلها وهو بيقلع الجاكت ويرميه على الكنبة صبحي مابقاش ليه وجود من النهاردة.. وسميرة هجرتها برا البلد خالص عشان متفكريش في الماضي تاني.
قرب منها ورفع إيده ومسح على خدها بصباعه اللي عليه أثر دم دلوقتي بس، تقدري تقولي إنك بقيتي حرة من ماضيكي.. بس ملكي أنا.
مارينا كانت عايزة ترفض الكلمة، بس لقت نفسها بتسأل والدم اللي عليك ده؟
أبانوب ابتسم ابتسامة غامضة ده
متابعة القراءة