سر الخاتم العسكري حكايات صافي هاني
جدي مات لوحده في مستشفى صغير في أوهايو، وأهلي قاعدين في البيت ومكبرين دماغهم وواصفينه إنه راجل صعب التعامل معاه. أنا الوحيد اللي حضرت جنازته، وكنت فاكر إن الخاتم القديم اللي لقيته في درج أوضته هو آخر حاجة باقية منه هحتفظ بيها.. لحد ما لواء في الجيش شافه في حفلة عسكرية، وشه جاب ألوان وسألني سؤال واحد هد كل اللي كنت أعرفه عن جدي.
جدي، توماس هايل، كان أهدى بني آدم قابلته في حياتي.
كان عايش في بيت صغير متهالك على أطراف بلدة هادية في أوهايو، من نوعية الأماكن اللي أرصفتها مشققة وسورها سلك، والجيران لسه بيشاوروا لبعض من بلكوناتهم لما حد يعدي. كان كلامه قليل جداً، وعمره ما اتفاشخر بحاجة. مفيش أوسمة متعلقة على حيطانه، ولا صور عسكرية في براويز، ولا حكاوي بطولات بتتحكي على السفرة في الأعياد. ولما حد كان يسأله عن فترة خدمته، كان يبتسم بضعف ويقول ده كان زمان قوي يا حبيبي.
أهلي اتعاملوا مع سكوته ده كأنه دليل إن ماضيه ملوش أي لزمة.
بالنسبة لهم، كان مجرد راجل غلس، قافل على نفسه، دماغه ناشفة، وفقير لدرجة تكسف، وهادي لدرجة تزهق. مكنش بيجي تجمعات العيلة إلا لما أنا أضغط عليه. وعلى العشا، كان بيقعد كأنه حد غريب مفيش حد عارف يفتحه في موضوع. أخويا
بعدين جدي تعب.
أنا كنت في الخدمة في المارينز في ولاية تانية لما جاره كلمني وقالي إنه وقع في المطبخ، والإسعاف خدته لمستشفى المحافظة. مفيش حد من العيلة راح. لا أمي، ولا أبويا، ولا أخويا. مجرد ممرضات وأجهزة وراجل عجوز الكل قضى سنين وهو بيتجاهله.
طلبت إجازة طارئة ليلتها.
لما وصلت، كان خلاص بيودع. الأوضة كانت ريحتها مطهرات وقهوة بايتة. كان باين أصغر مما شفته قبل كده، بس لما فتح عينه وشافني، ابتسم.
همس وقالي شكلك إنت الوحيد اللي منسيتهوش.
قلتله إن بابا وماما جايين.
هز راسه بضعف.. مكنش فيه غضب ولا مرارة، كان مجرد تعب وخلاص.
قال بصوت واطي مش هيجوا.
وكان عنده حق.
بعد يومين، مات في هدوء. لا وداع درامي، ولا خطاب أخير، ولا عيلة متجمعة حواليه زي ما المفروض يحصل.
لما كلمت أمي، اتنهدت وقالت على الأقل مابقاش يتعذب.
بس كده.. ده كل اللي قالته.
محدش ساعد في الجنازة، محدش سأل هو كان عايز إيه، ولا حد اهتم هيدفن فين. رتبت كل حاجة بنفسي. كنيسة صغيرة، تابوت خشب سادة. كنا 5 أشخاص بس، منهم القسيس والجار اللي كلمني. أهلي محضرواش، وأخويا بعت رسالة معلش،
بعد الجنازة، رحت بيت جدي وبدأت أفرز اللي سابه وراه.
أغلب الحاجات كانت عادية.. بالطوهات قديمة، شرايط فيديو، مج مكسور، كومات جرايد قديمة ومصفرة. وبعدين، جوه درج أوضته، ملفوف في منديل قديم، لقيت الخاتم.
مكانش بيلفت النظر. فضة خام، ممسوح من كتر الزمن، تقيل بوقار، وفيه رمز غريب محفور من جوه. افتكرت إني كنت بشوفه في إيده كل يوم. مرة وأنا صغير سألته ده معناه إيه، قالي ده بيفكرني أنا مين.
خدته معايا.
مش عشان فاكر إنه غالي.. عشان بس كان بتاعه.
بعدها ب 3 أسابيع، أهلي باعوا البيت.
رجعت لكتيبتي، ورجعت للروتين، ورجعت أمثل إني مش متضايق من فكرة إن أهدى راجل في عيلتنا ساب الدنيا باهتمام أقل من اللي بناخده لما بنرمي غسالة قديمة.
بعدها جاتلي دعوة لحفلة عسكرية رسمية لتكريم المحاربين القدامى.
لبست البدلة الرسمية، لمعت البيادة، ومن غير تفكير كتير، لبست خاتم جدي في صباعي. وقتها كان لبسه بقى عادة، زي شيلة تقيلة بس مبقتش حاسس بيها لحد ما حد تاني لاحظها.
القاعة كانت مليانة ظباط، أعلام، خطابات، وأنوار قوية، والوقار اللي دايماً بيكون في حفلات الجيش. كنت في نص دردشة لطيفة لما فجأة لواء وقف قدامي.
مش عشان اسمي.
ولا عشان رتفتي.
عشان الخاتم.
عينيه ركزت على إيدي، ولونه هرب من وشه بسرعة خلتني أتخض. قرب مني كأنه شايف حاجة مستحيلة.
سألني جبت ده منين؟
كنت هضحك من التوتر وقلتله ده كان بتاع جدي.
مرفعش عينه من عليه وسأل كان اسمه إيه؟
قلتله توماس هايل.
دي كانت اللحظة اللي كل حاجة اتغيرت فيها.
اللواء بلع ريقه، بص حواليه في القاعة، وبعدين بصلي تاني.
قال بصوت واطي احنا لازم نتكلم.. دلوقتي حالا.
وهو واخدني بعيد عن الأعلام والخطابات والناس لأوضة جانبية، عرفت إن الراجل اللي أهلي كانوا فاكرينه نكرة و مفهوش ميزة، ممكن يكون ساب وراه حقيقة أكبر بكتير من اللي أي حد فينا كان مستعد يواجهها.
دخلنا الأوضة والقائد قفل الباب وراه، فضل رايح جاي وهو بيفرك في جبهته، وبعدين وقف قدامي وبص للخاتم تاني وسألني بلهجة مكنتش متعود أسمعها من رتبة زيه إنت تعرف جِدك كان بيشتغل إيه بالظبط؟
قلتله وأنا مستغرب يا فندم كان راجل بسيط، مزارع وعاش حياته في هدوء، حتى لما خدم في الجيش كان بيقول إنها فترة وعدت وخلاص.
اللواء ضحك ضحكة مكتومة فيها مرارة وقالي مزارع؟ توماس هايل مكنش مزارع.. جِدك كان الشبح بتاع الوحدة 77، الراجل اللي بسببه عمليات كتير نجحت من غير ما حد يعرف مين اللي عملها. الخاتم ده مش مجرد ذكرى،