سر الخاتم العسكري حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

العالم كله.. واحد ضاع، وواحد في المتحف الوطني السري، والتالت كان مع أكتر راجل بيعرف يختفي عن الأنظار.
أنا جالي ذهول، اللواء كمل كلامه وهو بيفتح درج مكتبه وطلع ملف قديم جداً عليه ختم سري للغاية أهلك كانوا فاكرينه صعب ومعقد، بس الحقيقة إنه كان شايل أسرار كفيلة تحرق بلد كاملة، سكوته ده كان حماية ليكم. هو اختار يعيش نكرة عشان يضمن إن أعداءه ميوصلوش ليكم.
فجأة، اللواء بصلي بجدية تامة وقالي الخاتم ده مش بس بيعرفنا هو مين، ده مفتاح لخزنة في بنك سويسري، جِدك مكنش فقير يا بني.. جِدك ساب لك إرث، بس مش مجرد فلوس، ساب لك مسؤولية مكنش واثق إن حد في عيلتكم يقدر يشيلها غيرك.
خرجت من الأوضة وأنا حاسس إن الدنيا بتلف بيا. افتكرت نظرة أهلي ليه، تريقتهم على لبسه القديم وهدوئه، افتكرت لما باعوا بيته بتراب الفلوس وهما فاكرين إنهم ارتاحوا من العبء ده.
روحت البيت، وطلعت الخاتم وبصيت للرمز اللي جواه.. ودلوقتي بس فهمت جملته ده بيفكرني أنا مين.
هو مكنش راجل صعب.. هو كان بطل، بس بطل من النوع اللي مبيحبش الأضواء، بطل اختار يموت وحيد عشان يفضلوا هما عايشين في أمان، وهما للأسف.. مكنوش يستاهلوا ضفره. ومن اللحظة دي، قررت إن سر جدي هيفضل
معايا، وهكمل اللي بدأه، بس المرة دي وأنا فخور جداً ب الراجل الهادي اللي محدش عرف قيمته غير فوات الأوان.
اللواء بصلي وطي صوته أكتر وقالي الخاتم ده يا ابني هو التذكرة. جِدك مكنش مجرد عسكري، جِدك كان واحد من تلاتة بس في تاريخ المخابرات العسكرية اللي قدروا يوصلوا لقلب المنشآت النووية في عز الحرب الباردة ويرجعوا بخرائطها من غير ما حد يحس بيهم. الخاتم ده جِدك مخدوش تكريم، ده خده حصانة.
أنا لساني عجز عن الكلام، واللواء كمل الرمز اللي محفور جوه ده هو كود الدخول لأرشيف ملوش وجود في السجلات الرسمية. أهلك اللي كانوا شايفينه راجل ممل وفقير، ميعرفوش إن جِدك كان بيقبض معاش سري في حساب مكنش بيلمسه، الحساب ده النهاردة فيه مبلغ يشتري الحي اللي إنتوا ساكنين فيه كله.. بس هو عاش ومات بالبساطة دي عشان يفضل مخفي لحد آخر يوم في عمره.
اللواء سكت لحظة وبعدين سألني بحدة أهلك يعرفوا إنك معاك الخاتم ده؟
قلتله لا، محدش اهتم أصلاً يدور وراه.
اللواء اتنهد براحة وقالي أحسن.. الخاتم ده لو وقع في إيد حد مبيفهمش قيمته، كان ممكن يودي العيلة كلها في داهية. جِدك سابلك الرسالة دي لإنه عارف إنك الوحيد اللي صنت عهده، وإنت الوحيد اللي تستحق الورث
ده.. ورث القوة والسر.
خرجت من القاعة وأنا مش شايف قدامي. ركبت عربيتي وفضلت باصص للخاتم.. افتكرت نظرات الاستهزاء اللي كان بيشوفها من أبويا وأخويا، وافتكرت بيته القديم اللي باعوه بأرخص تمن عشان يخلصوا من ذكراه.
تاني يوم، جالي تليفون من المحامي الخاص ببنك تشيس في نيويورك، قالي إن فيه صندوق أمانات مسجل باسمي من ٢٠ سنة، ومكتوب في الوصية إنه لا يُفتح إلا بواسطة الشخص اللي معاه الخاتم الفضي.
رحت هناك، ولما فتحت الصندوق، ملقتش دهب ولا مجوهرات.. لقيت مذكرات بخط إيده، وصورة ليا وأنا صغير وهو شايلني، وورقة مكتوب فيها جملة واحدة بس
يا ابني.. الفقر مش في الجيب، الفقر في الروح. أنا عشت غني بيك وبمبادئي، وسيبتلك اللي يخليك تعيش ملك، بس بشرط.. تفضل دايماً هادي زي جدك.
تحت الورقة كان فيه كارت ببيانات حساب بنكي برقم يخض. في اللحظة دي، تليفوني رن، كانت أمي بتشتكي من الديون وبتقول إنهم محتاجين مساعدة عشان أخويا وقع في مشكلة مالية.
بصيت للخاتم وابتسمت بوجع، وقلت في سري يا خسارة يا أمي.. الراجل الصعب اللي سيبتوه يموت لوحده، كان هو اللي شايل السقف فوق رؤوسكم وإنتوا مش دريانين.
قفلت الصندوق، ولبست الخاتم، وقررت إني مش هقولهم ولا
كلمة.. هسيبهم يفتكروا إنه مات فقير، وهعيش أنا بذكراه وبسره اللي أغلى من كل كنوز الدنيا.
بعد شهر من اليوم ده، جالي محامي أهلي، وشهم كان مخطوف وعينيهم باينة فيها الطمع والغل في نفس الوقت. عرفوا بطريقة ما إني كنت مع اللواء، وبدأوا يشمشموا ورايا.
أخويا دخل عليا البيت وبص لصباعي وقال بنبرة مستفزة إيه يا عم، لسه لابس الخاتم الصدي ده؟ ما تبيعه وتجيب لنفسك طقم عدل بدل الهلاهيل اللي إنت لابسها دي.. ده جدي حتى في موته فقرنا معاه.
بصيت له ببرود وقلت الخاتم ده يسوى حياتك يا بطل، بس إنت عمرك ما هتفهم.
أمي دخلت في الكلام وقالت يا ابني إحنا محتاجين قرشين، البيت اللي بعناه ده مسدش ديون أبوك، وإنت دلوقتي بقيت حبيبي القادة في الجيش، أكيد جِدك كان مخبي حاجة، نيشين قديم.. سبائك.. أي مصلحة نطلع بيها.
في اللحظة دي، طلعت المذكرات اللي لقيتها في الصندوق، وفتحت صفحة معينة كان جدي كاتب فيها لو سألوا عني، قولهم إني أخدت كل حاجة معايا.. عشان اللي مبيصونش الود، مبيصونش المال.
قلت لهم بابتسامة هادية جدي ساب ورقة واحدة، بيقول فيها إنه صرف كل مليم حيله على تأمين مستقبلنا من بعيد، وإن مفيش مليم واحد فاضل.
أبويا خبط كف على كف وقال طول عمره
بخيل ومعقد، ومات وهو
تم نسخ الرابط