عودة الابنه بعد الجراحه حكايات صافي هاني
بعد العملية، دخلت بيت أهلي وأنا موجوجة، وعشان أسمع أمي بتطلب العشاء، وأخويا بيتهمني إني بتمارض، وأبويا ساكت خالص. بس هما مكنش عندهم أي فكرة مين اللي دخل ورايا، وفي اللحظة اللي هو اتكلم فيها، كل حاجة في الأوضة اتغيرت.
رجعت البيت من العملية وورق الخروج مطبق في إيد بتترعش، وشنطة الصيدلية تحت كوعي. البنج لسه مروحش مني تماماً، ركبي كانت سايبة، وكل خطوة من الممر للبلكونة كانت بتبعت نغزات حادة وسخنة في الغرز اللي تحت هدومي.
ورايا، قفل منصور بيه باب العربية براحة.
مكنش من العيلة، ولا صديق يعرفوه. بالنسبة لأغلب الناس في مصر، منصور ده اسم مطبوع على لوحات المتبرعين في المستشفيات الكبيرة، وفي مقالات الجرايد، ومجلات البيزنس؛ صاحب مجموعة طبية عملاقة، والراجل اللي وافق شخصياً على جراحتي الطارئة لما التأمين بتاعي وقف.
أما بالنسبة لي، فكان الشخص اللي لقاني واقعة قدام العيادة من ليلتين، وفضل واقف جنبي لحد ما اطمن إني في أمان.
فتحت باب الشقة.
ريحة البصل المقلي والسجاد القديم خبطت في وشي الأول.
أمي، ست هانم، بصت لي وهي قاعدة على الكنبة. مسألتنيش ليه وشي باهت، ولا سألتني عن أسورة المستشفى اللي في معصمي.
كل اللي قالته بحدة أدي القعدة.. بطل تمثيل بقى وقومي حضري العشاء
أخويا، هاني، فرد رجله على ترابيزة الصالون وابتسم بسخرية ماتعمليش فيها تعبانة عشان تخلعي من شغل البيت.
أبويا، الأستاذ محمد، كان قاعد على كرسيه والتلفزيون شغال وهو عامل كتم للصوت. لمح وشي، وبعدين بص في الأرض، واتنهد تنهيدة واطية فيها جبن وتعود.
كنت واقفة هناك، وتعبانة لدرجة إني مش قادرة حتى أدافع عن نفسي.
وفجأة، دخل منصور الصالة.
الهواء في المكان اتغير.
أمي فضلت فاتحة بوقها ومفيش صوت طالع، وهاني نزل رجله من على الترابيزة براحة، وأبويا اتعدل في قاعدته كأن حد شد سلك في ضهره.
منصور كان طويل، وواثق من نفسه، ولابس بالطو شيك جداً. عينيه لفت في الأوضة الأطباق الوسخة المتكومة عند الحوض، سبت الغسيل، وإيدي اللي بتترعش وماسكة بطني.
بعدين بص لأمي.
قال بهدوء يا مدام، بنتك لسه خارجة من 90 دقيقة بعد عملية جراحية صعبة. عندها 27 غرزة، ومعرضة للتعب، وعندها تعليمات طبية صارمة إنها ماتشيلش حاجة، ولا توطي، ولا تطبخ، ولا تنضف، ولا حتى تطلع السلم من غير مساعدة.
أمي بربشت بعينيها وقالت إنت مين؟
أنا الشخص اللي جابها لحد البيت عشان مفيش حد فيكم رد على مكالمات المستشفى.
هاني حاول يستهزئ بس صوته طلع ضعيف بقولك إيه يا أستاذ، مايا بتبالغ، هي دايماً كده
منصور بص له نظرة
طلع ورقة مطبقة من جيبه وحطها على الترابيزة ده ملخص حالة الخروج، وده سجل مكالمات المستشفى، وده تقرير الممرضة اللي كاتبة فيه إن مايا سألت 3 مرات إذا كان حد بلغ أهلها ولا لأ.
وش أبويا لونه خطف.
صوت منصور فضل هادي ورزين دلوقتي أنا عايز أفهم، إزاي مريضة لسه خارجة من غرفة العمليات تدخل البيت ده وتؤمر فوراً إنها تطبخ العشاء؟
محدش نطق.
التلفزيون كان شغال وراهم بصمت، والنور مضلل على وشوشهم المتجمدة.
ولأول مرة في حياتي، كان فيه حد شايفهم على حقيقتهم بوضوح.
ساد الصمت الغرفة، مكنش فيه غير صوت طقطقة بسيطة من التلفزيون، والكل كان بيبص لمنصور بنظرات مختلطة بين الرعب والكسوف. منصور مأكتفش بكلامه، سحب كرسي من السفرة وقعد بكل هدوء، وحط مفاتيح عربيته على الترابيزة، الحركة دي خلت الكل يتوتر أكتر.
بص لأبويا وقال بصوت رخيم
يا أستاذ محمد، البيوت أصول، والوجع مبيتحملش تمثيل. بنتك كانت بتموت، وحضرتك كنت بتسمع النشرة؟
أبويا حاول يتكلم، شفايفه اترعشت، بس معرفش يطلع جملة مفيدة. بص في الأرض كالعادة، ووشه بقى أحمر من كتر الإحراج. أما أمي، فكانت لسه ماسكة الريموت في إيدها، وصدمتها من وجود شخص بجمود ومنصب منصور خلتها تنسى العشاء اللي كانت بتطلبه.
منصور
وأنت يا بطل، بدل ما تفرد رجلك وتستنى أختك تطبخ لك وهي جرحها لسه ملمش، قوم هات لها كوباية مية، وجهز لها السرير في أوضة يدخلها هوا، وسيب الموبايل اللي في إيدك ده شوية.
هاني قام زي المسحور، من غير ولا كلمة، ودخل المطبخ وهو بيخبط في الكراسي من دربكته.
منصور بص لي، ونبرة صوته اتغيرت تماماً، بقت أهدى وفيها حنية مسمعتهاش من سنين
مايا، اطلعي ارتاحي. أنا مش همشي من هنا غير لما أتأكد إن فيه حد قايم بيكي، والروشتة دي أنا هبعت حد يجيبها فوراً.
أمي أخيراً نطقت بصوت مهزوز يا بيه إحنا مكناش نعرف إن الموضوع خطير كده، هي دايماً بتكتم وجعها..
قاطعها منصور بابتسامة باردة
دلوقتي عرفتوا. ياريت الذاكرة متخونكوش تاني.
دخلت أوضتي وأنا مش مصدقة. لأول مرة أحس إن ليا ضهر، إن فيه حد وقف في وشهم وكشف تقصيرهم من غير ما أضطر أنا أعيط أو أشتكي. سكنت في سريري، وسمعت صوت منصور بره وهو بيملي عليهم تعليمات الأكل والدوا بكل حزم.
لأول مرة من سنين، نمت وأنا مطمنة، مش من أثر البنج، لكن من أثر الكرامة اللي منصور رجعها لي في وسط بيتي.
مرت ساعة، والبيت اللي كان دايماً صوته عالي بالطلبات واللوم، بقى هادي لدرجة تخوف. هاني دخل الأوضة