عودة الابنه بعد الجراحه حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

علبة الدوا على الكومودينو، وبص لي بصه غريبة.. مكنتش نظرة سخرية زي كل مرة، كانت نظرة حد مكسور أو خايف من الضيف اللي قاعد بره.
سمعت صوت باب الشقة بيخبط، وبعدها صوت منصور وهو بيتكلم مع حد على الباب، عرفت إنه السواق بتاعه أو حد من طرفه جايب العلاج والأكل.
منصور مسبش البيت، فضل قاعد في الصالة. كنت سامعة صوت شخشخة ورق، غالباً كان بيخلص شغل على اللابتوب بتاعه، وكأن بيتنا بقى مكتبه الخاص. وجوده كان عامل زي الفرملة اللي وقفت العيلة دي عن التمادي.
فجأة، سمعت صوت أمي بتوشوش أبويا في الصالة
يا محمد، هنعمل إيه؟ الراجل ده شكله واصل أوي، تفتكر ممكن يئذي هاني لو عرف إنه مبيشتغلش؟
رد أبويا بصوت واطي ومكسور
يئذي هاني إيه بس يا ولية! الراجل ده لولاه كان زمان بنتك حصل لها حاجة وإحنا قاعدين. إحنا لازم نكرمه ونشوف هو عايز إيه.
منصور رد عليهم بصوت واضح من غير ما يقوم من مكانه
أنا مش عايز كرم من حد، أنا عايز مايا تآخد حقها في الراحة. والأكل اللي جه بره ده، ياريت يا مدام هانم يتقدم لها منه دلوقتي، والباقي يتشال في الثلاجة عشانها للأيام الجاية.
أمي قامت فوراً، ودخلت لي الأوضة ومعاها صينية فيها شوربة دافية وأكل ريحته تفتح النفس، مكنش أكل من اللي هي بتطبخه، كان أكل
فنادق. قعدت جنبي على طرف السرير، ولأول مرة من سنين، مدت إيدها ومسحت على شعري.
قالت بصوت واطي
حمد لله على سلامتك يا بنتي.. حقك علينا، مكناش فاكرين إن العملية صعبة للدرجة دي.
بصيت لها ودموعي نزلت، مكنتش دموع وجع، كانت دموع قهر السنين اللي بدأت تدوب. منصور كان لسه بره، وسامعة صوت مفاتيحه وهو بيلم حاجته عشان يمشي.
قام ووقف قدام باب أوضتي، من غير ما يدخل، وقال بنبرة واثقة
أنا هعدي بكره الصبح أشوف الغيار على الجرح. يا ريت التعليمات تتنفذ بالحرف.
خرج وقفل الباب وراه، وساب وراه عيلة تانية خالص.. عيلة اكتشفت فجأة إن البنت اللي كانوا بيعتبروها شغالة بلقمتها، ليها قيمة عند ناس تانية أغلى بكتير مما يتخيلوا.
لأول مرة، محستش إني لوحدي في البيت ده.
عدت الليلة دي وكأنها حلم، البيت اللي كان دايماً عبارة عن محطة طلبات مابتخلصش، بقى فجأة خلية نحل بتخدم على راحتي. هاني كان بيتحرك في الشقة من غير صوت، وأبويا قفل التلفزيون وقعد يقرأ في مصحفه، وأمي فضلت جنبي لحد ما نمت.
الصبح صحيت على صوت هادي في الصالة، عرفت إنه منصور بيه.
فتحت عيني بصعوبة لقيت أمي داخلة بابتسامة باهتة وتقول لي الاستاذ منصور بره ومعاه ممرضة عشان تغير لك على الجرح.
دخلت الممرضة وجهزت حاجتها، ومنصور
كان واقف ورا الباب، سأل بصوته الرزين
الحرارة أخبارها إيه يا دكتورة؟
الممرضة ردت تمام يا فندم، الجرح نضيف ومفيش أي مضاعفات.
خرجت الممرضة، ولقيت منصور واقف قدام باب الأوضة، بص لي نظرة سريعة فيها اطمئنان وقال
جهزي نفسك يا مايا، العربية مستنية تحت.
أمي اتخضت وقالت على فين يا بيه؟ هي لسه تعبانة.
بص لها منصور ببرود وقال
هتتنقل لمستشفى النقاهة الخاصة بالمجموعة لمدة أسبوع، هناك فيه رعاية 24 ساعة، وأكل صحي، وهدوء.. الهدوء اللي مش موجود هنا.
أخويا هاني حاول يتدخل بس إحنا موجودين وأهو بنخدمها..
منصور قاطعه بنظرة حادة خلت الكلمة تقف في زوره
الخدمة مش مجرد كوباية مية يا هاني، الخدمة مسؤولية، وإنتوا أثبتوا إنكم مش قدها.
التفت لي وقال لمي حاجتك البسيطة، الممرضة هتساعدك.
خرجت من البيت وأنا ساندة على ذراع الممرضة، ومنصور ماشي قدامنا بوقاره اللي بيجبر الكل يوسع له طريق. وأنا نازلة على السلم، بصيت ورايا لقيت أهلي واقفين على باب الشقة، وشوشهم فيها مزيج من الذهول والندم، وكأنهم لسه مش مستوعبين إن البنت اللي كانت مضمونة في بيتهم، بقى ليها حد بيخاف عليها أكتر منهم.
ركبت العربية الفارهة، ومنصور قعد جنبي، وطول الطريق مكلمنيش، بس كان بيعدل لي المسند كل شوية عشان جرحي
ميتعبش.
وصلنا المستشفى، مكان أشبه بالفندق، هدوء تام وريحة نضافة وورد. أول ما ريحت على السرير، منصور وقف عند الباب وقال كلمته الأخيرة قبل ما يمشي
الأسبوع ده عشان تستردي صحتك.. وعشان تفكري كويس، هل المكان اللي كنتِ فيه هو فعلاً المكان اللي تستاهلي تكملي فيه حياتك؟
سابني ومشي، وساب السؤال ده بيرن في ودني. لأول مرة، بدأت أشوف حياتي من بعيد، وبدأت أفهم إن السكوت على الإهانة مش صبر، ده كان ضياع للعمر.
قضيت أول ليلة في المستشفى وأنا حاسة إني مولودة من جديد، مفيش حد بيزعق، مفيش حد بيطلب عشا، مفيش حد بيشكك في وجعي.
وفجأة، الباب خبط.. ودخلت الممرضة ومعاها باقة ورد كبيرة، ومعاها كارت صغير مكتوب فيه
الحياة بتبدأ لما تقرري إنك غالية.. حمد لله على سلامتك. منصور
مر أسبوع النقاهة وكأنه حلم جميل، كنت بسترد فيه صحتي النفسية قبل الجسدية. الهدوء، الرعاية، والتقدير اللي شفته هناك خلاني أراجع كل لحظة ذل عشتها في البيت ده. وفي اليوم الأخير، وقبل ما أمشي، لقيت منصور بيه داخل الأوضة بوقاره المعتاد.
قعد على الكرسي اللي قدام السرير وقال بهدوء
انهاردة ميعاد خروجك.. العربية جاهزة تحت. بس قبل ما نتحرك، لازم أعرف قرارك.
بصيت له باستغراب، كمل هو وكأنه بيقرأ أفكاري
أهلك
اتصلوا بيا عشرات المرات، بيعتذروا وعايزينك
تم نسخ الرابط