فضح كذبة الجنازه حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

ماتدفنوهاش! دي مش هي اللي في الصندوق!.. صرخة البنت الصغيرة وقفت أخطر جنازة في القاهرة، وكشفت الكدبة اللي مستخبية جوه الكفن.
ماتدفنوهاش!
الصرخة قطعت هدوء كاتدرائية القديس مرقس زي ما الطوبة بتكسر إزاز الشبابيك الملون.
كل الروس لفت.
القسيس وقف وإيده مرفوعة فوق النعش الأبيض، وكورال الكنيسة سكت فجأة. ال 200 معزي اللي لابسين أسود عيونهم اتسمرت على الممر اللي في النص، ووشوشهم بهتت تحت نور الشموع الهادي وورد الجنازة.
قدام خالص، كان واقف جبران المنشاوي، أكتر راجل بيخافوا منه في البلد.
في الأول متهزش.
فضل واقف جنب نعش مراته مارينا، وإيده ماسكة خشب الصندوق بقوة لدرجة إن عقل صوابعه ابيضت. ماعيطش.. ومطقش بكلمة من ساعة ما بدأت الصلاة. رجالة زي جبران مابيتكسروش قدام الناس، رجالة زي جبران ب يدفنوا وجعهم في سكوت، ويخلوا العالم كله يدفع التمن بعدين.
جنبه، فيفيان أخته، حطت إيدها اللي لابسة جوانتي على دراعه.
همست بصوت بيترعش بتمثيلية حزن متقنة جبران، ماتسمعش ليها. دي عيلة صغيرة ومش فاهمة حاجة.
بس البنت فضلت تجري.
كان عندها سبع سنين، أو يمكن تانية، حافية ورجليها بتخبط على الرخام. جاكتها مقطوع من الكم، وشعرها المنكوش مداري وشها الضعيف اللي باين عليه الهم أكبر من سنها. فرد أمن حاول يوقفها، بس هي اتسحبت

من تحت إيده وفضلت مكملة وكأن الرعب محولها لشرارة نار.
هي لسه عايشة! صرخت البنت بصوت عالي. دي مش هي اللي جوه الصندوق!
همهمات بدأت تعلى في الكنيسة كلها.
كل راجل في المكان ده كان مخبي سلاحه، وكل ست في الصفوف الأولى كانت عارفة ده كويس بس عاملة نفسها مش شايفة. دي مكنتش مجرد جنازة، ده كان تجمع لكبار السوق السودة، متغلف ببدل صوف غالية وريحة برفيوم تقيلة.
جبران لف وشه أخيرًا.
عينه جت في عين البنت.
الجو في المكان فجأة بقى تلج.
فيفيان قربت منه أكتر وقالت خلي الحرس يمشوها.. دي شكلها شحاتة وجاية تلم قرشين.
الحراس اتحركوا فعلًا.
البنت شافتهم وهما قربين منها، بس ماهربتش. كانت بتنهج بخوف، والدموع رسمت خطين نضاف على وشها المليان تراب. وقفت قدام الصندوق مباشرة ورفعت إيدها وهي بتترعش.
قالت أنا شوفتهم وهما بياخدوها.. ليلة الجمعة، قدام الصيدلية اللي في شارع الهرم. عربية جيب سودة، نمرتها ط ع ل ٨٩٢. راجلين، واحد منهم كان راسم تعبان على معصم إيده.
في الصف التالت، كان واقف كمال، دراع جبران اليمين وعشره عمره.
عينه ر مشت لأقل من ثانية.
بس جبران لمحها.
إيد كمال اليمين اتحركت بسرعة ناحية معصم إيده الشمال، ودارى تحت كم القميص وشم جبران حافظه صم.. تعبان أسود لافف حوالين العضم.
فيفيان شافت نظرة جبران، قبضت
إيدها على كمه بسرعة وقالت جبران، الكلام ده جنان.
جبران رفع إيده لفوق.
الحراس وقفوا مكانهم فورًا.
السكوت اللي حل في الكاتدرائية كان مرعب، لدرجة إن صوت نار الشموع كان مسموع.
جبران نزل من على المنصة ومشي ناحية البنت. في العادي، أقوى الرجالة كانت بتترعش من نظرته دي، والقضاة كانت وشوشهم بتهرب منه.. بس لما وصل عندها، معملش أي حركة تخوفها.
نزل على ركبة واحدة عشان يبقى في مستواها.
وسألها بهدوء إنتي اسمك إيه؟
نزل جبران لمستوى البنت، وعينه كانت بتقرا ملامحها وكأنه بيحاول يفتش في ذاكرته عن أي خيط يوصله للحقيقة.
البنت بلعت ريقها بالعافية، وصوتها طلع مهزوز بس فيه ثبات غريب اسمي مريم.
جبران مد إيده ومسح دمعة كانت لسه سايلة على وشها، وبصوت واطي زي الفحيح سألها يا مريم.. إنتي متأكدة من اللي شوفتيه؟ متأكدة إن الوشم ده هو اللي كان على إيد الراجل اللي أخدها؟
مريم هزت راسها بقوة أيوة، كان وشم تعبان أسود، وعينه كانت حمراء صغيرة.. زي اللي شفته دلوقتي.
الكلمة نزلت زي الصاعقة في الكاتدرائية. العيون كلها لفت ناحية كمال اللي كان واقف عرقان رغم التكييف والجو التلج. كمال حاول يبتسم ابتسامة باهتة وقال يا باشا إنت هتصدق عيلة جاية من الشارع؟ دي أكيد حد زاققها عشان يوقع بينا.
فيفيان اتدخلت بسرعة، وصوتها كان
فيه نبرة هستيرية جبران، إحنا في جنازة! والناس بتتفرج علينا! خلصنا من المهزلة دي وخليهم يدفنوا مارينا عشان ترتاح!
جبران قام وقف، وطوله كان مرعب وسط الصمت ده. بص لأخته نظرة خلت الكلمة تقف في زورها، وبعدين شاور للحراس افتحوا الصندوق.
الكل شهق في نفس واحد. القسيس قرب بخطوات مرتبكة يا جبران بيه، إكرام الميت دفنه، مايجوزش اللي بتعمله ده..
جبران صوته طلع هادي بس يقطع الرقاب قولت افتحوا الزفت!
كمال بدأ يتسحب لورا ناحية الباب الجانبي، بس لقى اتنين من حرس جبران الشخصيين سادين الطريق.
اتنين من الحرس قربوا من النعش الأبيض، وبدأوا يفكوا المسامير الدهب بحذر. صوت الخشب وهو بيترفع كان ليه صرير بيوجع الودان. جبران كان واقف، ملامحه زي الحجر، بس قلبه كان بيدق لدرجة إنه حاسس إن ضلوعه هتتكسر.
الغطاء اترفع..
جبران قرب وبص جوه الصندوق.
ثانية.. اتنين.. تلاتة..
وفجأة، جبران ضحك. ضحكة قصيرة، ناشفة، ومرعبة أكتر من أي صرخة وجع. لف وشه للناس، وعيونه كانت بتلمع بشر خالص.
دي فعلًا مش مارينا..
الناس بدأت تشرأب بعنقها عشان تشوف. الصندوق مكانش فيه جثة.. الصندوق كان مليان قوالب شمع متغلفه بقماش أبيض، وعليها قناع سيليكون متصمم بدقة خرافية عشان يشبه مارينا من بعيد.
جبران بص لكمال، وبعدين لف ليفيان اللي وشها بقى بلون
الكفن، وقال ببرود يقتلع القلوب
مارينا لسه عايشة..
تم نسخ الرابط