عودة الابن الضال للانتقام حكايات صافي هاني
رموه في السجن على جريمة عمره ما عملها... بس لما خرج بعد سنتين، ما رجعش الشحات الغلبان اللي طردوه. رجع وريث أغنى راجل في البلد، الراجل اللي كانوا بيبوسوا إيديه عشان يرضى يشغلهم عنده.
لما خرج طارق من باب سجن طرة، كان لابس نفس القميص الرمادي الدايب اللي كان لابس يوم ما خدوه من وسط بيته. في إيد ماسك كيس بلاستيك شفاف فيه كل كركيبه، وتحت القميص ده في علامة ضرب وندبة على ضهره، ولا حد من أهله الحقيقيين كلف نفسه حتى يسأله دي من إيه.
شمس الصبح ضربت في وشه وكأن الدنيا مشيت من غيره ومستنيتهوش. العربيات رايحة جاية، التليفونات بترن، الناس بتضحك على الرصيف، والدنيا ماشية عادي جداً وكأن اسم طارق متمسحش بيه الأرض وماتدفنش بالحيا تحت كوم كدب.
سنتين كاملين، والكل بيقول عليه مجرم وسوابق.
عيلته الحقيقية، عيلة الجبالي، كانت من الحيتان الكبار في جاردن سيتي. اسمعهم لوحده يفتح زرافيل البنوك، والشركات العقارية، وحفلات رجال الأعمال، والنوادي المقفولة على وولاد الأكابر اللي يبتسموا لك بضحكة صفرا وهم بيخفوا وراها بلاوي ومصايب.
قبل الحادثة بتلات سنين، طارق عرف الحقيقة وهو عيل صغير في المستشفى، اتتبدل بالغلَط مع عيل تاني، واتربى في عيلة مش عيلته. الجبالي دول كانوا أهله من دمه، بس من أول يوم عتب فيه قصرهم، عاملوه كأنه غُلطة أو مصيبة اتدبشوا فيها ومضطرين يستحملوها.
بالنسبة لهم، ماجد كان هو الابن المثالي، المتربي على الغالي. ده الواد اللي ابن ناس، الشيك، اللبق، اللي متربي من صغره على الإتيكيت واللقم، ويعرف يقول إيه بالظبط في عزايم العشا.
أما طارق؟ فكان حتة تانية خالص. ده ابن الشوارع والمناطق الشعبية، بعيد عن المدارس الإنترناشونال ونوادي الجزيرة، وكل واحد
ماكنش يعرف يمسك الشوكة والسكينة إزاي على السفرة. ماكنش بيعرف يضحك على النكت البايخة اللي الغرض منها تلطيش الشغالين. ماكنش بيعرف يلبس وش القساوة بشياكة.
وعشان كده، عمرهم ما اعتبروه واحد منهم.
لحد ما جت الليلة اللي شقلبت حياته ضهر لبطن.
ماجد كان طينة، سكران طافح وسايق عربية العيلة السبورت، وخبط دليفري غلبان راكب مكنته في حتة ضلمة على طريق التجمع. لغاية النهاردة، صوت الخبطة بيرن في دماغ طارق، صوت يقرف، زي الصاج لما يتعجن في لحم بني آدم.
طارق نط من الكرسي اللي جنب السواق وجري على الشاب الغلبان يحاول يلحقه. إيديه املت دم وهو بيحاول يِكتم النزيف، وبيصرخ في أي حد يطلب الإسعاف.
بس قبل ما البوكس يوصل، ماجد عمل اللقطة اللي ما يعملهاش بني آدم أصلًا.
نط وقعد مكان طارق.. بدل الكراسي!
على ما سرينات الشرطة نورت الطريق بالأحمر والأزرق، كان ماجد واقف برة العربية بيعيط وبيمثل دور الضحية المصدومة. وطارق كان هو اللي راكع جنب السواق اللي بيموت، وغرقان في دمه، وشكله طالع بالظبط زي المجرم اللي الشرطة عايزة تقبض عليه.
طارق حاول يتكلم، يفهمهم إن ماجد هو اللي كان سايق، وإن ماجد كان شارب وطافح. اترجاهم يشوفوا الكاميرات، وتفريغ تليفوناته، ويشوفوا الحقيقة فين.
بس ولا حد صدقه.
أبوه الحقيقي، إسماعيل الجبالي، بص له بقرف واشمئزاز، وكأن طارق لوث اسم العيلة بمجرد إنه بيتنفس. وأمه، ميرفت، اترمت في حضن ماجد وهي بتعيط، وماجد شغال عياط وتمثيل زي ممثل مستني صقفة الجمهور في نهاية المشهد.
أخواته البنات، فريدة ونادين، صرخوا في وشه وقالوا عليه مجرم.
وحش.
غلطة.
ويمكن طارق كان يقدر يعافر أكتر، يمكن كان يقدر يصرخ لحد ما
بس كان جاب آخره.. كان تعبان.
تعب من كتر ما بيحاول يشتري رضا وحب ناس كل همهم يثبتوا إنه ما يستاهلش يشيل اسمهم. تعب من الوقوف في قصر مليان قرايب بيعاملوه كأنه ضيف رزل وتقيل على قلبهم.
فعشان كده، سكت ومقالتش ولا كلمة.
المحكمة اعتبرت السكوت ده إقرار بالجريمة. الجرايد خدت اسمه وشهّرت بيه وعملت منه سبوبة وفضيحة. عيلة الجبالي اشتروا حرية ابنهم وحموا ماجد الحبيّب، ورموا طارق عشان يدوه فرصة تانية يعيش حياته.
بعد سنتين، طارق خرج من باب السجن، عينيه ناشفة، وقلبه ميت وفاضي من أي مشاعر.
فتح تليفون قديم كان مخبيه مع حاجته، إيده اتهزت هزة واحدة بس قبل ما يطلب رقم الست الوحيدة اللي في الدنيا اللي عمرها ما طلبت منه يثبت إنه يستاهل تتحب.
أمي...، قالها أول ما الخط فتح.
لثانية واحدة، الدنيا سكتت. وبعدها، فايزة الأنصاري انفجرت في العياط.
طارق.. يا بن قلبي، همست وهي بتعيط. ليه ما خلتناش نيجي ناخدك من بدري يا ابني؟
طارق بص للطريق قدامه، ملامحه جمدت، وصوته نزل هادي زي السكينة عشان كنت بخلص دين عمري ما شيلته يا أمي.
وبعدين، سكت شوية، وسأل السؤال اللي كان بيوجعه أكتر من السجن نفسه هو أنا ينفع أرجع البيت؟
رد فايزة جه في ثانية هو أنت بيتك كان فين غير هنا يا حبيبي؟
ومن وراها، طارق سمع حركة، أصوات ناس، أبواب بتتفتح، وحد عمال يدي أوامر. وبعدين رجعت تتكلم تاني، بس المرة دي صوتها كان قوي ومفهوش أي كسرة.
أبوك مجهز الطائرة الخاصة وجايلك بالرجالة.. هترجع بيتك النهاردة.
عيلة الأنصاري ماكنتش مجرد عيلة غنية وخلاص.
دول كانوا دولة جوة الدولة.
طول عمره، طارق كان فاكر إن فايزة وعاصم الأنصاري مجرد
بس لما كبر، عرف الحقيقة.
اسم الأنصاري ده مسمع في شركات التكنولوجيا، والفنادق، والبنوك، والعقارات، والاستثمارات المقفولة، والشركات الكبيرة في البلد كلها. في مليارديرات وأصحاب ملايين كانوا بيردوا على تليفون عاصم الأنصاري أسرع ما بيردوا على المحامين بتوعهم.
بس بالنسبة لطارق، عمرهم ما كانوا العيلة الغنية.
دول كانوا أهله اللي ربوه.
دول اللي كانوا بيصقفوا له في مسابقات المدرسة، وشايلين كل ميدالية كسبها، وبيعملوا له تورتة الشوكولاتة في عيد ميلاده، ويسهروا جنبه طول الليل لو سخن أو تعب. دول اللي عمرهم ما حسسوه إنه غريب أو مش ابنهم.
قبل ما المحامين وتحاليل الدم يجبروه يروح قصر الجبالي، طارق كان له مكان ينتمي له فعلاً.
كان ابن الأنصاري.
ودلوقتي، وأول ما عربية جيب سوداء مصفحة وقفت برة بوابات السجن، طارق شاف عاصم الأنصاري نازل منها ببدلة كحلي متفصلة عليه مخصوص، وشعره الأبيض بيتحرك مع الهوا. الراجل الكبير ما نطقش ولا كلمة في الأول.
مشي خطوتين سريعين ناحية طارق، وأخده في حضنه بكل قوته.
لأول مرة من سنتين، طارق كان هيعيط وينكسر.
عاصم ضغط عليه جامد وهمس في ودنه اللي يلمس ابن الأنصاري، مش هيطلع منها سليم.. وحقك هييجي تالت ومتلت.
طارق غمض عينيه.
لأنه في اللحظة دي، فهم حاجة عيلة الجبالي لسه ما يعرفوهاش.
هم ما دفنوش ابن غلبان مالهوش ضهر.
هم صنعوا لنفسهم عدو، وراه اسم يهد جبال ويهدم عيلتهم كلها.
ولما طارق هيعتب جاردن سيتي تاني، مش هيعتبها وهو مستني كلمتين حب أو رضا.
ده راجع
بس الصدمة بجد، لما