عودة الابن الضال للانتقام حكايات صافي هاني
المحتويات
في مكانه، حاطط إيديه في جيوبه، بيبص لهم من فوق لِتحت، ومتحركش فيه عِرق واحد. لا رق قلبه ولا حس بأي شفقة.
نزل لمستوى ميرفت براحة، ومسك إيدها ورفعها من على الأرض، وقالها بصوت واطي ومخيف أم ومين؟ دم ولحم إيه؟.. فين الأمومة دي لما كنت بنام في القصر بتاعكم جعان وأنتي بتأكلي ماجد أحسن أكل؟ فين دمك ولحمك لما كنت بشتكي لك إن ماجد ورجالته بيستقصدوني، وكنتي بتقوليلي اتلم يا واد وأعرف حجمك؟.
التفت لنادين وقال والفضيحة اللي خايفة منها دي.. ما فكرتيش فيها ليه لما جرايد مصر كلها كتبت عني إني مجرد رد سجون وسوابق؟ ما فكرتيش في خطيبي اللي سابك، وما فكرتيش فيا وأنا مستقبلي كله كان بيتدفن في الطين عشان البيه ماجد يفضل نضيف؟.
ميرفت صرخت بس إحنا أهلك يا طارق! عيلة الجبالي اسمك وعزوتك!.
طارق ضحك ضحكة عالية رنت في أركان الصالة عيلتي؟.. عيلتي واقفة ورايا أهي، وشاور على عاصم وفايزة. دول اللي ربوني، دول اللي شالوني لما الدنيا كلها رمتني. أنا اسمي طارق عاصم الأنصاري. عيلة الجبالي بالنسبة لي مجرد كابوس وصحيت منه.. والشركات اللي بتفلس دي، ده تمن السنتين اللي ضاعوا من عمري.. يوم قصاد كل مليم ضاع منكم.
وقف بكل طوله وشاور للأمن خدوهم برة.. ومش عايز أشوف وش حد من العيلة دي تاني.. الحساب انتهى، والعدل أخد مجراه.
الأمن دخل وسحب ميرفت ونادين وهما بيصرخوا ويدعوا، لحد ما صوتهم اختفى تماماً من المكان.
طارق لف وضهره ليهم، وبص لعاصم وفايزة، وأخد نفس طويل مفيش فيه أي غل ولا حقد.. كان نفس حد قفل كتاب قديم ورمام في الزبالة، وفتح كتاب جديد كله دهب.
عاصم قرب منه وطبطب على ظهره وقال جاهز يا بطل؟.. من بكرة هتنزل معايا الشركة، استلام الشغل مش هيستنى.
طارق ابتسم
ومن اليوم ده، اتقفلت صفحة عيلة الجبالي اللي اتمسح تاريخهم من السوق ودخلوا السجن، واتفتحت أسطورة جديدة في البلد اسمها طارق الأنصاري.. الشاب اللي خرج من ظلمة السجن، عشان يبقى الحوت الجديد اللي بيحرك اقتصاد البلد كلها.
مرت سنة كاملة على الليلة اللي اتهدت فيها إمبراطورية الجبالي. سنة كانت كفيلة تخلي اسمهم مجرد ذكرى قديمة في صفحات الحوادث، بعد ما المحكمة حكمت على ماجد بسبع سنين سجن مشدد، وعلى إسماعيل والده بتلات سنين بتهمة التزوير والرشاوي وغسيل الأموال. قصر جاردن سيتي اتقفل بالشمع الأحمر واتباع في المزاد العلني لتسديد ديون البنوك، وميرفت وبناتها نقلوا للعيشة في شقة قانون قديم متواضعة في أطراف القاهرة، بعيد عن عيون مجتمع الفلاشات والنوادي اللي طردهم ورفض يفتكرهم.
في المقابل، كان اسم طارق الأنصاري بيكبر زي كرة التلج.
في الدور الأخير من برج الأنصاري بالإستثمار، المطل على النيل، كان طارق واقف ورا مكتبه الإيطالي الفخم، لابس بدلة رمادية غامقة بتعكس مركزه الجديد كرئيس مجلس إدارة قطاع التطوير والتكنولوجيا في المجموعة. ملامحه اللي كانت زمان شايلة قهر السجن، بقت دلوقتي حادة، واثقة، ومبتسمش إلا للشغل وبس.
دخل عليه السكرتير الخاص وهو شايل ملف جلدي أسود وقدمه باحترام طارق بيه.. دي عقود الاستحواذ النهائية على الأراضي والمصانع اللي كانت ملك لعيلة الجبالي. الشركاء بتوعهم برة ومستنيين إمضتك عشان يعلنوا الإفلاس الرسمي والدمج تحت اسم مجموعة الأنصاري.
طارق مسك القلم الحبر الدهب، وبص للعقود بنظرة سريعة، وأفتكر اللحظة اللي كان واقف فيها في نفس الأراضي دي من تلات
في نفس اللحظة، تليفونه الشخصي رن، وكان المتصل عاصم الأنصاري.
رد طارق وصوته اتغير تماماً لبنتوتة من الاحترام والحب أهلاً يا بابا.. أنا لسه ماضي عقود الاستحواذ حالاُ.
عاصم ضحك على الناحية التانية وصوته كله فخر عارف يا ابني، الأخبار بتوصلي قبل ما الحبر ينشف. الله ينور عليك، رفعت راسي وخليت اسم الأنصاري في السما.. بس أنا مكلمك عشان حاجة تانية خالص.. والدتك فايزة عامله حفلة عائلية صغيرة في الفيلا بمناسبة مرور سنة على رجوعك لينا، ومصممة إنك تقفل مكتبك بدري النهاردة وتيجي.
طارق ابتسم بصفاء من عينيا يا بابا.. نص ساعة وأكون عندك، دي الحفلة الوحيدة اللي مستحيل أتأخر عنها.
نزل طارق من البرج، وركب عربيته الأحدث موديل، والمرة دي وهو سايق بنفسه، بيبص لشوارع القاهرة من ورا الزجاج الفاميه. شمس الغروب كانت بتعكس على الوشوش في الشارع، نفس الشوارع اللي خرج ليها من سنة من باب السجن وهو مش حيلته غير كيس بلاستيك وقهر جوة ضلوعه. الدنيا مالتش عليه، هو اللي عدل الدنيا بإرادته وبظهر عيلته اللي صانته.
وصل الفيلا في التجمع، وأول ما دخل لقى الأنوار مبهجة، وفايزة واقفة مستنياه بحضن دافي طير كل تعب السنة اللي فاتت من على كتافه. قعدوا كلهم حوالين السفرة، وعاصم رفع كاسه وقال ل طارق.. الراجل اللي ثبت للكل إن الأصل الطيب والعدل دايماً بيكسبوا في الآخر.
طارق بص لعاصم وفايزة، وحس إن الندبة اللي في ضهره ما بقتش بتوجعه، والماضي كله اتقفل وراه ومبقاش له
وانتهت الحكاية، مش بس بإنه أخد حقه تالت ومتلت، لكن بإنه بنى لنفسه مستقبل ومكانة خلت الكل يعملوا له ألف حساب، وبقى طارق الأنصاري هو الرمز الجديد للقوة والنجاح في البلد كلها.
بعد خمس سنين، وتحديداً في مايو 2026، كانت مصر كلها بتتكلم عن الحدث الأكبر في سوق المال والأعمال افتتاح مدينة الأنصاري الذكية في العاصمة الإدارية الجديدة، مشروع بمليارات الجنيهات، بيضم أكبر مراكز تكنولوجية في الشرق الأوسط.
في قاعة المؤتمرات الكبرى، الفلاشات كانت بتاكل الجو، والقايدات والوزراء ورجال الأعمال من كل حتة في العالم قاعدين مستنيين صعود صاحب الرؤية والمشروع.
على المنصة، وقف طارق الأنصاري.
كان عنده 32 سنة، بس هيبته وحضوره يدوك إيحاء بإنه حوت بقاله خمسين سنة في السوق. لابس بدلة كحلي شيك جداً، وفي إيده ساعته المعتادة، وبص للميكروفون وبدأ يتكلم بثقة وثبات زلزل القاعة. اتكلم عن المستقبل، عن التكنولوجيا، وعن إزاي الإرادة تقدر تبني من الرماد إمبراطورية.
تصفيف الجمهور كان بيهز الحيطان، وفي أول صف، كان قاعد عاصم الأنصاري وفايزة، عيونهم مدمعة من الفرحة والفخر، بيشوفوا ابنهم اللي ضاع منهم زمان وهو بيمتلك العالم بإيديه.
بعد ما المؤتمر خلص، طارق انسحب للصالون الخاص بالرؤساء عشان يرتاح شوية. دخل وراه السكرتير الخاص بهدوء وقاله طارق بيه.. في واحدة برة واقفه مع الأمن بقالها ساعتين، وبتموت وتدخل تقابلك.. بتقول إنها أختك القديمة، فريدة الجبالي.
طارق رفع حاجب واحد، وبص لكاس المية في إيده، وقال بنبرة مفيش فيها أي اندهاش فريدة؟.. خليها
دخلت فريدة، وطارق ميزهاش
متابعة القراءة