ابويا طردني حكايات صافي هاني
معايا السبب، بس اللي كان يفرق إني مكنتش حاسة بأي غل ناحيتهم، أنا بس كنت حاطة حدود عشان نفسي تعيش في سلام.
في ذكرى وفاة جدي، روحت زرت قبره، وقفت هناك وقولتله أنا كويسة يا جدي، والعمارة في حفظ وصون، ومحدش قدر يكسرني زي ما كنت خايف عليا.
لما رجعت البيت بالليل، عملت مج قهوة سخن، وقعدت في الأوضة التانية اللي بابا وماما كانوا بيقولوا إني ممكن أستغنى عنها وأشتغل من كافيه. بصيت من الشباك على أنوار وسط البلد وزحمتها، وابتسمت وأنا بقفل لابتوب الشغل.
الحياة مش دايما بتمشي زي ما إحنا عايزين، وأوقات القريب بيوجع أكتر من الغريب، بس الأكيد إن الواحد لما بيقف على أرض صلبة ومبيسمحش لحد ياكل حقه، الدنيا كلها بتجبر بخاطره في الآخر. أنا فريدة المرصفي، ودي كانت قصتي.. قصة البنت اللي وقفت في وش الكل عشان تحمي حقها وكرامتها.
ومع كل الهدوء ده، كنت فاكرة إن القصة قفلت أبوابها خلاص، لحد ما في يوم، وتحديدًا بعد كذا سنة من المحكمة، جالي جواب على البوسطة باسم فريدة المرصفي.
الجواب مكنش من المحكمة ولا من جهة رسمية، الجواب كان بخط إيد بابا.
فتحت الجواب وإيدي بتترعش شوية، ولقيته كاتب
بنتي فريدة.. أنا مش طالب منك تسامحيني، ولا طالب منك ترجعي. أنا بس حابب أقولك إني كنت غلطان. الطمع وعمى العين خلوني أشوف إيهاب وظروفه وأنسى إنك بنتي اللي من لحمي ودمي، وإنك برضه ليكي حق تعيشي وتأمني مستقبلك. أنا كبرت يا فريدة، والصحة مبقتش زي زمان، وكل اللي بتمناه قبل ما أقابل ربنا إني أكون بريت
نزلت دموعي وأنا بقرأ الكلام. مكنتش دموع ضعف، كانت دموع ارتياح. الإحساس بأن الشخص اللي ظلمك يعترف بغلطه ويدي لك حقك المعنوي، ساعات بيكون تمنه أغلى من أي عمارة وأي فلوس.
أنا مروحتش عاتبت، ولا رجعت عيشت وسطهم كأن مفيش حاجة حصلت، لأن الشروخ اللي في القلوب مابتلمش بسهولة. بس أنا سامحت.. سامحت عشان نفسي تهدأ وعشان المركب تمشي. بعت مبلغا لإيهاب عشان يساعده في مصاريف بنته الصغيرة اللي على اسمي، وبعت رسالة قصيرة لبابا قولتله فيها مسامحاك يا بابا، وربنا يديك الصحة.
النهاردة، وأنا واقفة في بلكونة شقتي في وسط البلد، بتفرج على الشارع والناس والزحمة، حسيت لأول مرة بسلام حقيقي ملوش نهاية. أنا مش البنت المكسورة اللي كانت قاعدة على الكنبة المشجرة مستنية حكم يطردها. أنا صاحبة المكان، وصاحبة القرار، وصاحبة حياتي بالكامل.
ساعات الدنيا بتمتحنّا في أقرب الناس لينا، مش عشان تكسرنا، لكن عشان تخلق مننا نسخة أقوى.. نسخة متتهزمش.
ومرت السنين، وبقت الحكاية دي مجرد ذكريات قديمة بنفتكرها عشان نعرف إحنا وصلنا لفين. بنوتة أخويا، فريدة الصغيرة، كبرت وبقت في المدرسة، وبابا بقا يبعتهالي مع عم محمد البواب في الإجازات عشان تقعد معايا.
البنت طالعة شبهي في كل حاجة؛ نفس الملامح، ونفس العند،
في يوم، كنت قاعدة معاها بنرتب شوية أوراق قديمة في الصندوق الحديد بتاع جدي، لفت انتباهها ورقة صغيرة مطبقة ومحطوطة تحت عقد الملكية، مكنتش أخدت بالي منها قبل كده. فتحتها، ولقيت جدي كاتب فيها سطرين بخطه اليرعش
يا فريدة، العمارة دي مش ورث، دي درع. المحبة اللي مفيهاش عدل بتبقى ظلم، وأنا سيبتلك السلاح اللي تحمي بيه نفسك يوم ما الدنيا تقسى عليكي. افتكري دايماً إنك غالية، ومفيش غالي بيرخص.
ضمت الورقة لصدري وأنا ببتسم. جدي مكنش بس بيحميني من بابا وإيهاب، ده كان بيعلمني درس للمستقبل كله.
أنا دلوقتي مش مجرد بنت ورثت عمارة في وسط البلد؛ أنا بقيت الوتد اللي العيلة كلها بتعمله حساب. لما حد فيهم بيقع في أزمة أو بيحتاج نصيحة، بقوا يجوا لحد عندي، في نفس الشقة، بس المرة دي بيدخلوا بخطوات هادية، وصوت واطي، واحترام كامل.. احترام الشخص اللي فرض وجوده وقوته بالحق والقانون.
الدنيا لفت، وكل واحد قعد في المكان اللي يستاهله. وإحنا واقفين في بلكونة الشقة بنبص على زحمة الشارع وأنوار القاهرة الساحرة، سألتني فريدة الصغيرة عمتو، هو إنتي ليه بتحبي العمارة دي أوي كده؟.
بست راسها وقولتلها عشان العمارة دي يا حبيبتي هي اللي عرفتني مين أنا، وعلمتني إن البنت مفيش حاجة تكسرها طول ما هي واقفة على
فتحت لها حساب في البنك باسمها، وبقيت أشيل لها فيه جزء من إيراد العمارة كل شهر، وكتبت ورقة وشيلتها في نفس الصندوق الحديد، قولت فيها إن الورث ده بتاعها هي لما تكبر، عشان تضمن إن مفيش حد يطمع فيها ولا يكسر عينها بقرش.
وفي يوم جمعة، والعيلة كلها متجمعة في
بيتي بوسط البلد المرة دي هما اللي جايين يزوروني بحب واحترام لقيت بابا قاعد على الكرسي الهزاز اللي حطيته له في البلكونة، بيبص على فريدة الصغيرة وهي بتلعب وتضحك. بصلي وعيونه مدمعة وقال بصوت هادي عارفة يا فريدة.. العمارة دي طول عمرها كانت حلم لجدك، بس الحقيقة إنك إنتي اللي بقيتي روح العمارة دي، وإنتي اللي جمعتينا فيها تاني بالعدل والنظافة اللي في قلبك.
بست إيده وقولتله المهم إننا مع بعض يا بابا، والكل مقتنع ومبسوط.
الحياة مابتديش كل حاجة، والشروخ القديمة بتسيب علامات متتمحيش، بس الذكاء إننا نعرف نعيش بالعلامات دي من غير ما نخليها توجعنا. أنا مشيت في طريق صعب، ووقفت في وش الكل، بس النتيجة كانت إني أنقذت نفسي، وأنقذت عيلتي من إنهم يظلموا، وفتحت باب جديد للعدل والأمان لبنت تانية هتشيل اسمي بعدين.
قفلت الصندوق الحديد، وشيلته في مكانه ورا الدولاب. وبصيت لنفسي في المراية، وابتسمت ابتسامة رضا كاملة.. أنا فريدة المرصفي، ودي كانت نهاية حكايتي اللي بدأت بظلم، وانتهت