سليم الانصاري

لمحة نيوز

المسدس ظهر من وسط المطر قبل ما سليم الأنصاري يستوعب إن فيه فخ اتنصبله.
في لحظة، كان واقف جنب مخزن شحن قديم ومصدي بره المينا، المطر عمال يرزع على الأسفلت المكسر، وجاكيته الأسود غرقان مية عند كتافه. وفي اللحظة اللي بعدها، ظهر راجل من ورا حاوية شحن وهو رافع مسدسه وجاهز.
سليم متهزش.
الرجالة اللي زيّه اتعودوا وعودوا نفسهم ميتخَضّوش.
عدى من أكمنة وضرب نار في شوارع العشوائيات، وخناقات مطاوي وسكاكين ورا المطاعم المقفولة، ومداهمات وحرب عائلات، ومن الغدر الهادي اللي بيحصل على كاسات ومكاتب شيك. عمل لنفسه اسم من الخرسانة والدم والخوف، لحد ما بقى نص المنطقة بيهمس باسمه باحترام والنص التاني برعب.
سليم الأنصاري.
الراجل اللي مشغل المواني والمخازن من غير ما يملكها رسمي.
الراجل اللي بيحدد أنهي عربيات نقل تعدي في الليل وأنهي عربيات عمرها ما هتوصل.
الراجل اللي كان المفروض هيتجوز فريدة شاهين، البنت الحلوة لبتاع الشحن الأكبر في البلد، الست اللي الكل كان بيقول إنها هتحول نفوذه لإمبراطورية شيك تليق بصفحات المجلات والمجتمع الراقِي.
بس في المطر الساقع ده، وهو بيبص لعين المسدس، سليم عرف إن دي مش ضربة من منافسين.
عيني القاتل كانت ثابتة زيادة عن اللزوم.
والتوقيت مظبوط ع الشعرة.
والمقابلة كانت سرية ومحدش يعرفها.
القاتل صباعه ضغط ع الزناد.
وفجأة صوت

صغير شق صوت العاصفة.
إوعى تلمسه!
كورة بيسبول طارت من الضلمة وخبطت معصم الراجل اللي ماسك المسدس خبطة ناشفة.
الطلقة طلعت لِقِدّام وضربت في عرق حديد وعملت شرار بدل ما تخرم صدر سليم.
سليم لف وراه.
لقى بنت صغيرة واقفة جنب الباب المفتوح لعربية من عربياته الجيب، حافية في المطر التلج، ولابسة سويت شيرت أصفر مقطع وكبير عليها بزيادة. شعرها البني كان لازق على خدودها من المية. عينيها كانت مرعوبة، بس كانت ماسكة كورة بيسبول تانية بإيديها الاتنين زي عسكري ماسك قنبلة.
فرح؟ سليم نطق اسمها بالعافية.
فرح.
بنت الشغالة.
البنت الهادية اللي عايشة مع أمها في السكن القديم بتاع الخدم فوق جراج القصر. الطفلة اللي كان بيشوفها في الممرات، والجناين، وزوايا المطبخ، دايما مؤدبة، ودايما باين عليها الجوع، وبتوسع دايما عشان الناس المهمة تعدي.
كان المفروض تكون نايمة دلوقتي.
كان المفروض تكون في أمان.
مكانش ينفع أبداً تقف بين زعيم جبهة وقاتل مأجور.
القاتل صرخ وجري ناحيتها.
فرح صرخت بس مجريتش. ضربت بأيدها على زرار الإنذار في ريموت العربية اللي سرقته من مكان الكوباية جوه.
سارينة العربية ضربت وصوتها هز ساحة المخازن كلها.
النور الأحمر والأبيض فضل يرعش وسط المطر.
الثانية دي بالظبط كانت كفاية.
سليم اتحرك.
دخل بكل عزم في القاتل، بتقل راجل اتعلم العنف من صغره وبقى
أستاذ فيه غصب عنه. المسدس اتزحلق على الأسفلت. الراجلين وقعوا في الطين في نفس الوقت اللي حراس سليم جِهيوا فيه بيجروا من الموكب، بيزعقوا وسلاحهم مِتْعَمِّر، ووشوشهم مخطوفة من الصدمة لإن كبيرهم كان هيموت قدام عينيهم.
بس سليم مبصش للمسدس.
ولا بص للقاتل.
مبصش غير للبنت.
فرح كانت واقفة تترعش في المطر، وكورة البيسبول التانية فلتت من صوابعها.
وقالت وهي بتعيط وتشهق أنا سمعت آنسة فريدة. كانت بتقوله يقتلك. قالت إن بعد الليلة دي، كل حاجة هتبقى بتاعتها.
الدنيا صغرت وفضيت في عينه.
مطر.
سارينات.
وصوت طفلة مكسور.
سليم نزل على ركبه في الطين وأخد فرح كانت بترتعش جامد لدرجة إن سنانها كانت بتخبط في بعضها.
إيه اللي جابك هنا؟ سألها وصوته مخنوق. ليه مَقولتيش لحد من رجالتي؟
فرح عيطت وقالت حاولت، محدش رضي يسمعلي. قالوا البنات الصغيرين بيألفوا حكايات.
سليم غمض عينيه.
بنى بيت مليان رجالة مسلحة، وكاميرات، وقفل وبوابات حديد، وفي الآخر الشخص الوحيد اللي حماه كان بنت صغيرة جعانة محدش صدقها.
وفجأة فيه حاجة ظهرت من تحت السويت شيرت بتاعها.
دلاية فضة على شكل قلب كانت بتتهز على صدرها.
سليم اتسمر في مكانه.
المطر كان لسه بينزل، بس مابقاش حاسس بيه.
بصوابع بترتعش، لمس الدلاية.
كان عارف الخبطة الصغيرة اللي جنب القفل. عارف الوردة المحفورة على الظهر. عارفها لإن
هو اللي اشتراها من 14 سنة من محل مجوهرات صغير للحبيبة الوحيدة اللي خلته يتخيل حياة تانية غير دي.
حنان.
حنان.. أم الطفلة.
الست اللي اختفت وسليم لسه صغير لدرجة تخليه يصدق إن الحب ممكن يعيش في عالمه ده.
الست اللي دَوّر عليها لحد ما الأعداء، والجنازات، والطموح نسّوه التدوير.
الست اللي حزن عليها وهو بيقول لنفسه إن الحزن ضعف.
صوته طلع بالعافية ومش مسموع
جبتي دي منين؟
فرح رفعت إيديها الصغيرة وهي بتترعش ومسكت الدلاية، وصوتها طلع مخنوق بالدموع وسط صوت المطر
دي بتاعة ماما.. قالتلي ألبسها دايماً ومأشيلهاش من رقبتي خالص، وقالتلي لو جرالها حاجة في يوم من الأيام، أدور على صاحب الصورة اللي جواها عشان هو الوحيد اللي هيحميني.
سليم حس إن الأرض بتلف بيه. بصباع بيترعش، فتح القفل الصغير بتاع الدلاية الفضة.. وبص جوه.
كانت صورته هو.
صورته لما كان لسه شاب صغير، قبل ما الدم والفلوس والسلاح يغيروا ملامحه، وقبل ما القسوة تِعَمِّي عينيه.
نفس الصورة اللي حنان أخدتها معاه في ليلة سفرها واختفائها.
شريط العمر كله تعدى قدام عينيه في ثانية. حنان مكانتش بتهرب منه.. حنان كانت عايشة معاه في نفس البيت، تحت سقف قصرها، بتخدم وبتنظف وتشوفه من بعيد لبعيد وهي شايلة سره في بطنها، ومستحملة الذل والجوع بس عشان تفضل قريبة منه وتحمي بنتها.
الحراس بتوعه جِهيوا جري،
ملمومين حواليه، والمسدسات في إيديهم، وكبير الحرس وشه مخطوف وهو بيقول
يا
تم نسخ الرابط