سليم الانصاري
المحتويات
في الأرض يعيطوا ويضموا بعض.
سليم مشي خطوات بطيئة لحد ما وقف قدام حنان، ونزل على ركبة ونص قدامها على الأرض الرخام، زي ما كان بيعمل زمان وهو شاب صغير مملكش من الدنيا غير حبها. مد إيده ومسح دمعة نازلة على خدها وقال بصوت مخنوق
عشتي هنا؟ عشتي تحت سقفي وكنتي بتشوفي لقمة عيشك من ورايا، وأنا زي الأعمى بدور عليكي في كل شبر؟ ليه يا حنان؟ ليه سبتيني أتحول للوحش ده من غير ما تكوني جنبي؟
حنان ردت وهي بتشهق من البُكا
عشان أحمي بنتك يا سليم.. أعدائك زمان كانوا هيقتلوها وهي في بطني عشان يكسروك. ولما كبرت وخفت عليها من الدنيا، ملقتش مكان في مصر كلها أقدر أستخبى فيه من كل عيون الناس... غير هنا. قُلت هبقى قريبة منك، تحمينا من غير ما تعرف، وأموت وأنا شايفة ضلك في المكان.
سليم غمض عينيه وعروق جبهته برزت من الندم والغضب. وقف بكل طوله، ولف وشه ل فريدة اللي كانت بتسند على الحيطة من الرعب بعد ما فهمت كل حاجة.
سليم شاور لكبير الحرس بتاعه وقال بصوت حاد يقطع زي السكينة
فريدة هانم تتأخذ على المخزن المحروق.. وتفضل هناك لحد ما الباشا أبوها يجي. وبلّغوه.. إن كل العقود والشغل اللي بيننا اتلغى،
فريدة صرخت وهي الحراس بيسحبوها لبره مش هترحمني يا سليم؟ أنا كنت هبقى مرتك!
سليم رد عليها وهو ضهرها ليها
أنا رحيم يا فريدة... وعشان رحيم، هسيبك تعيشي وتجربي طعم الجوع والخوف اللي عيشتي فيه بنتي وأمها سنين.
الباب اِقفل وصوت صريخ فريدة اختفى وسط صوت المطر بره.
المكان هدي، ومابقاش مسموع غير صوت أنفاسهم. سليم لف وبص ل حنان وفرح.. الجيش والنفوذ والفلوس مابقاش ليهم عازة في عينه. مشي ناحيتهم، واخد بنته وأمها في حضن واحد، وقفل دراعاته عليهم كأنه بيقفل صفحة السواد والدم، ويبدأ من جديد.. ك أب، وزوج، وراجل لقى روحه اللي تاهت منه زمان.
الصبح طلع، والمطر اللي كان مغرق إسكندرية طول الليل بدأ يقف، والشمس طلعت خفيفة تطبطب على الشوارع المبلولة.
جوه الجناح الرئيسي بتاع سليم الأنصاريالجناح اللي مكانش مخلوق بيجرؤ يعتب بابهكانت فرح نايمة في سرير كبير وناعم، متغطية بلحاف دافي، وشعرها متنشف ومتسرح. حنان كانت قاعدة جنبها، ماسكة إيدها الصغيرة وبتبص لوشها وهو هادي ورايح في النوم لأول مرة من غير خوف من بكرة.
الباب
مكانش لابس البدلة الرسمية ولا الجاكيت الأسود بتاع الشغل. كان لابس قميص أبيض خفيف، وملامحه اللي كانت طول عمرها مشدودة زي الوتر، كانت هادية وصافية. بص ل حنان وشاور لها براسه تطلع معاه البلكونة الكبيرة اللي باصة على البحر.
حنان قامت براحة وغطت البنت، وطلعت وراه.
الهوا الصبح كان ساقع وفيه ريحة يود وبحر. سليم كان ساند بإيديه الاتنين على السور، بيبص للأفق، ولما حس بحركتها، لف وبصلها.
الدكتور مشي من شوية.. طمنّي عليها تاني، وقالي إنها كانت بتعاني من سوء تغذية وإجهاد، بس من هنا ورايح كل حاجة هتتصلح. سليم قالها وصوته فيه نبرة حنينة عمر ما حد في المينا سمعها منه.
حنان نزلت عينيها الأرض وقالت بصوت واطي
أنا أسفة يا سليم.. أسفة إني حطيتك في الموقف ده، وأسفة إنك عرفت بالطريقة دي.
سليم قرب منها، مسك إيديها الاتنين ورفعهم لحد ما لفت عينيها ليه
تتأسفي على إيه؟ على إنك حميتي بنتي؟ ولا على إنك عيشتي في عذاب عشان خايفة عليا وعلى لحمي؟ أنا اللي أسف يا حنان.. أسف إن السلاح والفلوس عموا عيني عن حقيقتي. أنا كنت فاكر نفسي ملك المينا، وأنا في الحقيقة كنت أفقر راجل
في اللحظة دي، تليفون سليم رن. بصل الشاشة لقى رقم شاهين بيهأبو فريدة.
سليم فتح الخط، وجاءه صوت الراجل الكبير مخنوق وعجوز، مابقاش فيه نبرة الجبروت بتاعة زمان
سليم بيه... بنتي عندك. أنا عرفت كل اللي عملته، وعرفت إنها اتجننت ولعبت مع حد أكبر منها. أنا مستعد أتنازل لك عن نص نصيبي في شركة الشحن، ومستعد أمضي لك على أي ورق تعوزه.. بس رجعلي بنتي، فريدة مِستحملش بهدلة المخازن دي.
سليم رد بكل برود وثقة
شاهين بيه.. بنتك حاولت تقتلني، ودي حسابها عند الحكومة والقانون، بلاغ رسمي اتقدم فيها وفي القاتل المأجور من ساعة بالظبط وكل الأدلة والاعترافات مسجلة. أما بالنسبة للشغل.. ف أنا مش عايز نصيبك.. أنا هاخد السوق كله، عشان ميبقاش فيه حد في البلد دي يفتكر إنه يقدر يمس شعرة من عيلة سليم الأنصاري. بنتك هتاخد عقابها، وأنت حسابك معايا قفلته الليلة اللي فاتت.
وقفل السكة من غير ما يستنى رد.
لف ل حنان، وابتسم ابتسامة خفيفة وواسعة
من الليلة دي، مفيش سليم الأنصاري بتاع زمان.. القصر ده هيتقفل، وهنسافر بره مصر كام شهر.. مكان ميه فيه حد يعرفنا، لحد ما فرح تنسى الخوف،
متابعة القراءة