سليم الانصاري
المحتويات
سليم بيه! إحنا مسكنا الواد القاتل.. تؤمرنا نعمل فيه إيه؟ وستنا فريدة هانم نطلبها نيجي بيها؟
سليم مكانش سامعهم. ودانة كانت بتصفر.
بص لرجالته، الرجالة اللي دافع لهم ملايين عشان يحرسوا ضهره وفي الآخر كلهم اتغفلوا.. وبص للطفلة الصغيرة، بنته.. لحمه ودمه، اللي طلعت أجدع من كل الجيش اللي محاوطه.
وقف على رجليه وبص للقاتل اللي ممسوك وسايح في دمه، وبص لكبير الحرس وعينيه فجأة لمعت بنظرة غضب ونار تخوف بلد بحالها.
شال فرح على كتفه، ولفها بالجاكيت بتاعه الأسود الكبير عشان يدفيها من الساقعة، وقال لكبير الحرس بصوت واطي وناشف زي الحجر
المخزن ده يتولع فيه باللي جواه.. والقاتل ده يِقِر بكل حاجة قبل ما يموت. أما فريدة شاهين.. ف حسابها معايا أنا.. الليلة دي المينا كلها هتعرف مين هو سليم الأنصاري من جديد.
ودور عربية الجيب، وأخد بنته ، وطلع يجرى بيها في وسط المطر، وعينه ع القصر.. راجع يهد المعبد على اللي فيه.
العربية الجيب كانت بتشق شوارع الإسكندرية الغرقانة مية بأقصى سرعة، مساحات الزجاج مش ملاحقة على رزع المطر، وجوه العربية مكانش مسموع غير صوت أنفاس فرح المكتومة وهي دافنة وشها في جاكيت سليم.
سليم كان سايق بإيد واحدة، والإيد التانية كأنه خايف تطير أو تطلع حلم. عينيه كانت على الطريق
كل مرة شاف فيها البنت دي في ممرات القصر...
كل مرة لمحت عينه الست اللي بتشتغل في المطبخ وهي مديرة وشها أو لافة شالها عشان ميتعرفش عليها...
كانت حنان!
ازاي العِمي يوصل بيه للدرجة دي؟ ازاي عاش سنين يدور عليها في قاع المدينة، وهي كانت بتغسل هدومه وتطبخ أكله وتشوفه وهو بيكبر ويقوى ويتحول ل الأنصاري اللي الكل بيخاف منه؟ هي هربت زمان من أعدائه عشان تحمي ابنه اللي في بطنها، ولما ضاقت بيها الدنيا، ملقتش أمان غير إنها تستخبى في جحر الأسد نفسه.
فجأة، تليفونه اللي مرمي جنب الفتيس نور.
اسم فريدة شاهين ظهر على الشاشة.
سليم بصل الشاشة ونظرة عينيه اتحولت لبرود قاتل. فتح الخط وفتح الاسبيكر من غير ما ينطق ولا كلمة.
صوت فريدة طلع من السماعة، ناعم وفيه هدوء مصطنع، بس كان فيه رشة قلق مكشوفة
سليم يا حبيبي؟ طمني عليك.. الشحنة وصلت المخزن بالسلامة؟ قلقت عليك لإن الجو قلب عاصفة بره.
سليم فضّل ساكت لثواني، ثواني كانت كفيلة تخلي نفس فريدة يتكتف على الناحية التانية. أخيرًا، رد بصوت هادي ومستقر لدرجة ترعب
وصلت يا فريدة.. الشحنة وصلت، والمخزن نور.. وولع كمان.
فريدة سكتت لحظة، وصوتها اتهز
يعني إيه؟ سليم.. أنت بتتكلم كده ليه؟
أنا في الطريق للقصر يا
وقفل السكة في وشها قبل ما تنطق بكلمة.
رمى التليفون وبص ل فرح اللي بدأت تهدا وشالت الجاكيت من على وشها وبصتله بعيونها البنية الواسعة، عيون حنان بالظبط.
إحنا رايحين لماما؟ سألته بصوت مرعوب وبتترعش.
سليم ملامحه لانت لأول مرة من سنين، ومسح على شعرها المبلول بحنية غريبة عليه
رايحين لماما يا قلب سليم.. ومحدش من الليلة دي هيقدر يخليكي توطي راسك تاني، لا أنتِ ولا هي.
العربية فرمت فرملة صامتة ووقفت قدام البوابة الحديد الضخمة بتاعة القصر. البوابة فتحت بسرعة، وسليم نزل من العربية وشال فرح بين إيديه ودخل بيها من الباب الرئيسي للقصر بكل هيبته، والخدم والحراس واقفين على صفين ووشوشهم في الأرض من الخوف.
أول ما دخل الصالون الكبير، لقى فريدة واقفة، وشها أصفر زي الليمونة، ولابسة فستانها الشيك، بس إيديها كانت بترتعش وهي ماسكة كاس مية.
فريدة أول ما شافته وشافت الطفلة ، الكاس وقع من إيدها اِتدَشّم ميت حتة على الأرض الرخام.
سليم وقف بثبات، وبص ل فريدة من فوق لتحت، وقال للحراس اللي واقفين وراه بصوت زلزل الحيطان
هاتولي حنان من سكن الخدم هنا حالاً... والست هانم دي، محدش يلمسها، سيبوها واقفة كده
الحراس جِريوا ينفذوا الأمر، وفريدة كانت واقفة مكانها مبرومة من الصدمة، عينيها عمالة تروح وتيجي بين سليم وبين الطفلة ، الوجع والخوف شلوا لسانها.
أخيراً، فريدة حاولت تلم شتات نفسها وقالت بنبرة فيها كبرياء مزيف
أنت اتجننت يا سليم؟ جايب بنت الشغالة في حضنك وبتكلمني أنا بالطريقة دي؟ أنت نسيت أنا بنت مين؟ ونسيت شريكي وشريكك في السوق يبقى مين؟
سليم ماردش عليها، ولا حتى رمى لها نظرة. كان باصص ناحية السلم الداخلي اللي بيودي للمطبخ وسكن الخدم.
وبعد ثواني... ظهرت.
حنان كانت طالعة، لافة شال صوف قديم حوالين كتافها، ووشها باهت والتعب حافر ملامحه. كانت بتجري ورا الحراس بخوف وهي بتصرخ بنتي فين؟ عملتوا في بنتي إيه؟
أول ما رجليها عتبت الصالون، عينها جت في عين سليم.
الزمن وقف بيهم هما الاتنين.
حنان اتسمرت في مكانها، الشال وقع من على كتافها، وعينيها اتملت دموع هزت كيانها كله. بصلته بنظرة فيها عتاب السنين، وخوف الأم، وحب قديم عمره ما مات. شافت بنتها، وشافت الدلاية الفضة المفتوحة في إيد سليم. عرفت إن السر اللي استخبت بيه ١٤ سنة... اِتكشف الليلة دي.
سليم نزل فرح بالراحة على الأرض، وقال لها بصوت دافي جري على
البنت جريت ، وهما الاتنين قعدوا
متابعة القراءة