طردو بنتي تحت المطر حكايات صافي هاني
ووقفت قدام العمارة وهي منكسة راسها، واعتذرت بصوت مسموع قدام الجيران كلهم وقالت إحنا اتقينا على ولاد الناس وربنا عاقبنا.. سامحونا. والمحامي سلمنا عقود الشقة الجديدة والتعويض.
أول ما مشيوا، بنتي بصلتي والدموع في عينيها بس دموع فخر، وقالتلي أنا عمري ما هخاف من حاجة في الدنيا دي طول ما إنتي معايا يا أمي.
وقولتلها يا بنتي، الأم مش بس بتخلف.. الأم سِند وضهر، وأنا ضهرك ليوم الدين. يالّا بقى البسي فستانك الجديد، الليلة دي ليلتك، والضحك من هنا ورايح مش هيقرق بيتنا أبدًا.
وعدت الأيام، وبقت دنيتنا هادية وجميلة زي ما كنا بنحلم. بنتي استلمت شقتها الجديدة، وفرشناها على ذوقها، وبقت كل خطوة بتخطيبها في حياتها نجاح ورا نجاح. الشغل كبر، وثقتها في نفسها بقت تهد جبال، ومبقاش فيه أثر للخوف في عينيها.
في يوم، كنا قاعدين بنشرب شاي في بلكونة شقتها الجديدة، والهوا كان روقان والجو بديع، وبصيت عليها وهي بتضحك من قلبها، وقولت في بالي الحمد لله يا رب، المحنة اتقلبت منحة، والكسرة بقت جبر.
فجأة، تليفون بنتي رن، لقيتها بتبص للشاشة بزهول وفرحة في نفس
وقفت من الفرحة وقولتلها دبي؟! يا ألف نهار أبيض! شفتي ربنا لما بيعوض؟ بيعوض بعطايا تعجز العقل.. يالّا يا قلب أمي، جهزي شنطك، بلاد ربنا واسعة، ومستقبلك بيناديكي بره المكان اللي شفتي فيه الوجع.
وفي خلال أسبوعين، كنا في المطار، بنهي إجراءات السفر. وإحنا واقفين في صالة المغادرة، بنتي بصت وراها لآخر مرة على مصر، ودموعها نزلت، بس المرة دي كانت دموع امتنان، بصتلي وقالت أنا لولاكي يا أمي، كان زماني لسه راكعة في المطر.. إنتي اللي وقفتيني، وإنتي اللي دافعتي عني، وإنتي اللي خليتيني أطير.
مسكت إيدها وجمدت عليها، وقولتلها بابتسامة وثقة يا بنتي، المطر ده كان بيغسل الحزن القديم عشان يجهّزك للمستقبل الجديد. ارفعي راسك فوق، إحنا رايحين نكتب صفحة جديدة، ومفيش قوة في الأرض هتقدر تقفل كتاب نجاحنا.
ركبنا الطيارة، وأول ما هبطت في دبي وشوفنا أنوار المدينة والشرق الجديد اللي مستنينا، عرفت
وفتحت أبواب دبي لينا، وبدأت رحلة جديدة كلها نجاح وانبهار. بنتي أثبتت جدارتها من أول شهر، وبقى اسمها بيتردد في أكبر مؤتمرات البيزنس هناك، وأنا كنت دايماً واقفة في ضهرها، بحضر معاها الحفلات وأشوف نظرات الاحترام والتقدير في عيون الناس ليها، وأقول في سري سبحان مغير الأحوال.
في يوم، وبعد مرور سنة كاملة على سفرنا، بنتي كانت معزومة في تكريم كبير لرواد الأعمال العرب. لبست فستان سواريه شيك جداً، وكانت طالعة زي الملكة. وإحنا داخلين القاعة، ولمحت وسط الزحمة وش مش غريب عليا.. ركزت شوية، ولقيته محمود!
كان واقف بعيد، لابس بدلة شغلها على قده، وشغال موظف تنظيم أو استقبال في القاعة. أول ما عينه جت في عيني وعين بنتي، اتمسّمر في مكانه، ووشه جاب مية لون. الكبرياء والوجاهة اللي كان عايش بيهم زمان في بلدنا اتمسحوا تماماً، وبان عليه الشقا والكسرة بعد ما خرج من السجن وسافر يدور على لقمة عيشه كفرد أمن أو منظم بعد ما سمعته اتهدت في مصر.
بنتي
محمود فضّل واقف مكانه، عينه مدمعة وهو شايف البنت اللي في يوم من الأيام ركّعها تحت المطر عشان فستان، النهاردة القاعة كلها بتقف تسقف لها وهي طالعة تستلم جائزة التميز، وصوت المذيع بيرن في المكان باسمها. حس بالندم والذل اللي هياكل قلبه طول عمره، وعرف إن اللي يظلم ولاد الناس، ربنا بيخليه يشوف نجاحهم وهم في قمة المجد، وهو تحت سابع أرض.
بعد الحفلة، وإحنا راجعين في العربية على بيتنا الجديد، بنتي مسكت إيدي وبستها ولقيتها بتقولي بروقان عارفة يا ماما؟ أنا النهاردة بس حسيت إن الحكاية قفلت قفلتها الصح.. أنا مابقتش زعلانة من أي حاجة حصلت زمان، لأن الوجع ده هو اللي وصّلني للحظة دي.
بصيت لها وابتسمت وقولت العدل الإلهي يا بنتي مبيغلطش.. هو شاف نفسه عليكي فربنا ذله، وإنتي صبرتي فربنا رفعك. نامي مرتاحة يا قلب أمك، من النهاردة مفيش في حياتنا غير الضحك،