الليله الي قبل فرحي حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

الساحرة بقت في نظر الكل البنت المريضة اللي دمّرت فستان فرح أختها من الغل.
في يوم، كنت قاعدة مع جدتي ميلين في بيتي، بنشرب شاي وبنتكلم في الشغل، وفجأة تليفوني رن.
الرقم كان غريب، بس لما رديت عرفت الصوت فوراً.. كانت بروك.
صوتها مكنش فيه الغرور بتاع زمان، كان مكسور وفيه نبرة رجاء عمري ما سمعتها منها لوري.. أنا بكلمك من غير ما ماما تعرف. أنا تعبانة، وماما طول الوقت بتلومني إني السبب في خراب بيتنا وفلوسنا اللي راحت. أنا أسفة يا لوري.. أسفة على كل مرة حسستك فيها إنك مالكيش لازمة. ممكن نتنازل عن القواضي دي؟ أنا مش عارفة ألاقي شغل بسبب الصحيفة الجنائية بتاعتي.
أنا سكتت لثواني. زمان، كنت هعيط وأقولها خلاص مسامحاكي وأجري أحل لها مشكلتها.
بس لوري القديمة ماتت في جناح 207.
قلت لها بنبرة هادية ومستقرة أنا مش حاطة غل من ناحيتك يا بروك، وأنا شخصياً ماليش قواضي معاكي.. اللي بيحاسبك دلوقتي هو القانون وشركة التأمين اللي انتي حاولتي تنصبي عليها. الشغل اللي انتي مش لاقياه ده نتيجة أفعالك، مش نتيجتي أنا. أتمنى فعلاً تفهمي الدرس اللي ماما كتبته في الإيميل.
وقبل ما ترد، قفلت السكة.
جدتي بصتلي وابتسمت، وطبطبت على إيدي وقالتلي عارفة يا لوري؟ الفستان اللي اتقطع ده مكنش
فستان فرحك.. ده كان الكفن بتاع العيلة المزيفة اللي عيشتي فيها. ودلوقتي انتي بدأتي تعيشي بجد.
النهاردة، وأنا بكتب التقرير السنويبتاعي في الشركة بعد ما اترقيت وبقيت مديرة قسم تقييم المخاطر الكبيرة، جوزي دخل عليا وحط قدامي تذكرتين سفر عشان نحتفل بعيد جوازنا الأول.
بصيت من شباك مكتبي على الشمس وهي بتنور الأوضة، وافتكرت الليلة دي.. ليلة ما وقفت قدام الفستان المتقطع ومصرختش. عرفت ساعتها إن أعظم انتقام في الدنيا مش إنك ترد الضربة بضربة وتعمل زيطة.. أعظم انتقام هو إنك تنجح، وتعيش سعيد، وتسيبهم هما ياكلوا في نفسهم.. لحد ما يفتكروا كل ثانية ظلموك فيها، وهمّا مش عارفين يوصلوا لك تاني.
مرت خمس سنين على الليلة دي. خمس سنين كاملين ملمحتش فيهم وش أمي ولا بروك، ولا حتى فكرت أدخل على صفحاتهم أشوف عايشين إزاي. حياتي بقيت مشغولة بحاجات تانية أهم بكتير.. بقيت مشغولة بنفسي، وبجوزي، وببنتي الصغيرة ميلين، اللي سميتها على اسم جدتي.
في يوم، كنت في السوبر ماركت بشتري طلبات للبيت، وبنتي كانت قاعدة في عربية التسوق بتضحك. وأنا واقفة بختار حاجات من على الرف، حسيت بخيال حد واقف ورايا وبيريّح على العربية.
لفيت.. ولثانية واحدة قلبي هبط.
كانت أمي.
بس مكنتش أمي اللي أنا عارفاها.
الست اللي كانت دايماً لبسها على السنجة وعشرة، وشعرها معمول، وبتتكلم من طرف مناخيرها، كانت واقفة قدامي بوش باهت، وتجاعيد الحزن باينة حول عينيها، ولابسة هدوم عادية جداً مفيهاش أي أثر للورث أو الفخامة بتاعت زمان.
بصت لبنتي، وعينيها دمعت، وقالت بصوت مرعوش شبهك قوي وأنتِ صغيرة يا لوري.. ماشاء الله.
أنا سحبت عربية التسوق خطوة لورا غصب عني، وحطيت إيدي على بنتي كأن حمايتها بقت غريزة تترجم في ثانية. قلت لها بنبرة جافة بس مفيهاش غل أهلاً يا أمي.. عاملة إيه؟.
أمي نزلت عينيها في الأرض وقالت بروك اتجوزت الأسبوع اللي فات يا لوري.. اتجوزت موظف بسيط على قد حاله، ومحدش حضر الفرح غيري أنا وهو وأهله. حتى فستان فرحها.. كان فستان مستعمل ومأجراه. طول الفرح كنت قاعدة بعيط وبفتكر فستانك.. بفتكر اللي عملناه، وبقول لنفسي إن ذنبك هو اللي بيخلص فينا.
بصيت لها ولقيت نفسي مش حاسة بأي شماتة.. ولا حاسة بأي حزن برضه. كنت حاسة بفراغ تام من ناحيتها، كأنها ست غريبة في الشارع بتحكيلي مشكلتها.
قالتلي بنبرة رجاء مش هتحني يا بنتي؟ أنا كبرت وتعبت، ونفسي أشوف حفيدتي وأموت وأنا مرتاحة.. سامحينا بقى، إحنا دفعنا التمن غالي قوي والناس كلها اتخلت عنا.
في اللحظة دي، افتكرت جملة جدتي ميلين
الله يرحمها لما قالتلي العيلة مش بالدم، العيلة باللي بيصونك.
بصيت لأمي وقلت لها بابتسامة هادية جداً أنا مسمحاكم يا أمي من زمان، لأني لو مشلتش المسامحة دي في قلبي مكنتش هعرف أعيش حياتي وأربي بنتي في سلام. بس المسامحة حاجة.. والرجوع حاجة تانية خالص. أنتوا اختاروا طريقكم زمان، وأنا اخترت طريقي.. وبنتي هتربى بعيد عن أي مكان فيه خطط دروس.
أمي بكت وهزت راسها كأنها فهمت إن الباب ده اتقفل للأبد، ومبقاش فيه أمل يتفتح تاني. لفت وضهرها محني ومشت وسط الممرات لحد ما اختفت.
أنا أخدت بنتي، وحاسبت، ورجعت بيتي.
بالليل، كنت قاعدة في جنينة بيتنا، وجوزي مشغل مزيكا هادية وبنتي نايمة في حضنه. بصيت للسما الصافية وحسيت بنسمة هوا باردة ريحتها شبه الحرية.
الحكاية اللي بدأت بمقص وقماش مِتّقَطّع في جناح 207، انتهت هنا.. في المكان اللي فيه كل حاجة كاملة وسليمة.
أنا مَكسرتش عيلتي.. أنا بس اخترت نفسي، ولأول مرة في حياتي، عرفت إن الهدوء مش عجز.. الهدوء هو إنك تسيب الأيام تدور، وتتفرج على حقك وهو بيرجعلك لحد عندك، وإنت مش حاطط إيدك في المية.
عدت سنين تانية، وبنتي ميلين كبرت وبقت في المدرسة. في يوم من الأيام، وأنا برتب مكتبتي القديمة في البيت، وقع في إيدي الملف الجلدي الأسود.
. الملف اللي كان فيه صور
تم نسخ الرابط