جوزي اهاني حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

باخد حقي بالقانون، والقانون حافي وهيجيبلي لحد عندي أضعاف أضعاف اللي في العلبة دي.
شلت الشنطة الثقيلة وخرجت برة الأوضة، وقفت في الصالة وبصيت للشقة بصفة أخيرة. المكان ده شهد على كسرتي ودموعي، بس شهد برضه على ذكائي وعلى اللحظة اللي قررت فيها مكنش ضحية.
نزلت السلم، وركبت تاكسي، وطلعت على شقة قديمة حلتها من ورث أبويا الله يرحمه.. شقة كريم ميعرفش عنها حاجة ولا عمره داسها، كنت مأجراها ومفضياها من شهر عشان اللحظة دي بالذات.
دخلت الشقة، رميت الشنطة في الأرض، ودخلت الحمام. فتحت الماية السخنة، ووقفت تحتها وسيبت الماية تنزل على وشي، على الكدمة اللي تحت عيني..
كأن الماية كانت بتغسل قرف السنين والوجع والخوف.
خرجت ولبست برنس دافي، وعملت لي فنجان قهوة مظبوط.. أول فنجان قهوة أشربه وأنا حاسة بآدميتي من سنين.
قعدت في البلكونة، النور كان بدأ يروح والليل يدخل، تليفوني الأساسي مابطلش رن.. أخت كريم، قرايبه، ناس من طرفه.. كلهم بيحاولوا يوصلوا لي بعد ما عرفوا المصيبة اللي حلت على العيلة.
عملت للكل بلوك.. رقم ورا رقم، لحد ما التليفون بقى هادي تماماً.
شربت آخر بوق في الفنجان، وبصيت للسما وقلت النهاردة بس يا كريم.. هتعرف مين فينا اللي ملوش حيلة.. ومين فينا اللي هيضحك في الآخر
تاني يوم
الصبح، صحيت على صوت منبه تليفوني الساعة تمانية.
لأول مرة من سنين، أصحي من غير ما أكون مخضوضة، ومن غير ما أسمع صوت رزع أبواب أو أوامر بتترمى عليا. قمت وبصيت في المراية.. الوجع اللي في وشي كان لسه موجود، بس النظرة الانكسار اللي كانت في عيني اختفت تماماً وحل مكانها برود وثقة يخوفوا.
لبست ونزلت، ورحت على مكتب المحامي. أول ما دخلت، لقيت المتر واقف وبيرحب بيا وعلى وشه بتسامة نصر يا فندم خطتك اتنفذت بالحرف، كريم قضى ليلته في الحجز، وأمه منمتش طول الليل قدام القسم بتلطم.
قعدت وحطيت رجلي على رجل وقلت له والنيابة؟
المحامي طلع ملف كبير وحطه قدامي النيابة واجهته الصبح بالتقرير الطبي وبتسجيلات الميكروفون اللي سحبتيها من تحت السفرة، ده غير إن مباحث الأموال العامة حطت إيدها على الدفاتر المتزورة في المكتب.. الموقف القانوني بتاعه ضايع، والنهاردة صدر قرار بحبسه 4 أيام على ذمة التحقيق.
حسيت براحة ملهاش مثيل، سألتة ورق الطلاق والتبديد جاهز؟
قالي جاهز وممضي، وهيترفع فوراً، ابن نادية هانم مش هيخرج من الدوامة دي غير وهو متجرد من كل حاجة.. زي ما دخلتي بيته بشنطة هدمك، هتخرجي منه وأنتي واخدة شقاكي كله بالقانون.
مضيت على الأوراق وخرجت من المكتب وأنا حاسة إن الهوا بيدخل صدري لأول مرة
بجد.
وأنا ماشية في الشارع، تليفوني رن.. رقم غريب. رديت، جالي صوت نادية هانم، بس المرة دي مكنش فيه الكبرياء والتعالي بتاع كل مرة، صوتها كان مكسور، وبتعيط بنحيب أرجوكي يا بنتي.. أرجوكي بلاش تخربي بيته، كريم هيموت في الحجز، ضيعت مستقبله وسمعتنا في وسط الناس.. تعالي واطلبي اللي أنتي عايزاه، وهنكتبلك الشقة باسمك، بس اتنزلي عن المحضر والشهادة بتاعتك.
وقفت في نص الرصيف، وبصيت للسما والشمس ضاربة في وشي، وقلت لها بكل برود الشقة هتدخليها أنتي وابنك لما تطلعوا.. ده لو طلعتوا يا نادية هانم. أنا زمان رجيتكم ترحموني، وقولتولى الست بتستحمل عشان تعيش.. وأنا أهو، استملت وبعيش، بس بطريقتي أنا.
قفلت السكة في وشها، وشيلت خط التليفون القديم خالص ورميته في أقرب صندوق زبالة قابلني.
مشيت في وسط زحمة القاهرة، والناس بتجري حواليا، ومحدش عارف القصة اللي ورا الكدمة اللي تحت عيني.. بس أنا كنت عارفة، وعارفة إن الخطوة الجاية هكون فيها أنا وبس، حرة، من غير خوف، ومن غير ما أداري وشي ورا مكياج حد.
عدى أسبوعين كاملين وكأنهم حلم. أسبوعين وأنا ببدأ حياتي من أول وجديد في شقتي الهادية، بعيد عن سم كريم وأمه. الكدمة اللي كانت تحت عيني دبلت واختفت تماماً، والوجع اللي في جسمي راح، ومبقاش فاضل غير القوة
اللي اتولدت جوايا من وسط كل الوجع ده.
المحامي بتاعي كلمني الصبح وصوته كان كله نشاط مبروك يا مدام.. القاضي جدد حبس كريم 15 يوم كمان على ذمة قضية الأموال العامة، والمحضر الطبي اضم لملف قضية الطلاق للضرر. هو دلوقتي ملوش عين يرفع عينه في عيون المحققين، والمحامين بتوعه رفعوا إيدهم من القضية أول ما شافوا حيز الأدلة والتزوير اللي عك فيه.
تنفت براحة وقلت له ونادية هانم؟
ضحك المتر وقال نادية هانم باعت غوايشها ودهبها كله عشان تدفع كفالة لنفسها عشان تخرج من قضية التستر والتواطؤ، وقاعدة دلوقتي في شقتها القديمة لوحدها، لا ليلها ليل ولا نهارها نهار، والجيران كلهم عرفوا الفضيحة.
قفلت مع المتر ونزلت رحت الشغل بتاعي، الشغل اللي كريم كان دايماً يحاول يخليني أسيبه ويقولي أنتي مالكيش لازمة، النهاردة زمايلي ومديري استقبلوني بكل احترام، ورجعت لمكاني وسط كرامتي وشغلي اللي بيأمنلي مستقبلي بجد.
وأنا قاعدة في مكتبى وبشرب قهوتي، بصيت من الشباك على زحمة الشارع والشمس المنورة.. افتكرت ليلتها وافتكرت طعم الدم والغدر، وافتكرت لما كان واقفي مشمر كمامه وفاكر إن الدنيا خلاص صغرت في عيني ومليش ملجأ.
تليفوني نور برسالة إشعار من البنك.. تم تحويل مبلغ النفقة المؤقتة اللي المحكمة حكمتلي بيها من
أرصدة كريم المجمدة بحكم
تم نسخ الرابط