وانا في دور مرض شديد حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

فجأة فضي، ومبقاش فيه غير صوت المأمور ميلر وهو بيطمن عليا قبل ما يمشي مع رجالته. القصر اللي كان من ساعة واحدة هيروح مني، رجع تاني هادي وبتاعي لوحدي.
دخلت الصالون الواسع، المكان كان يضرب يقلب؛ كاسات مكسورة، وبواقي أكل، وريحة النفاق لسة مالية المكان. قعدت على أقرب كرسي جلد، وشربت بوق المية اللي الشغال جابهولي.. نزل في زوري زي الشفا، ورئتي بدأت تهدأ والوجع يقل والروح ترد فيا.
تاني يوم الصبح، الشمس طلعت ونورت الشبابيك الكبيرة بتاعة القصر. فتحت اللاب توب بتاعي وجالي إيميل من محامي العيلة. جوليان وليلى باعتين محامين يتوسلوا عشان يتنازلوا عن أي قضية، ومستعدين يمضوا على ورقة بإنهم مالهمش أي حق في ورث أو عقار يخصني، بس أتنازل عن محضر الاقتحام والتعدي عشان مستقبلهم ميتدمرش في السجن.
فتحت شباك الأوضة، وشميت هوا الصبح النضيف لأول مرة من غير ريحة برفيوم ليلى المستفز ولا جعجعة جوليان. قفلت اللاب توب بكل برود، وكلمت المحامي بتاعي وقلت له جملتين وبس
قول لهم القانون ياخد مجراه.. أنا ما بسبش حقي، والصحة اللي افتكروا إنها راحت، رجعت تاني وأقوى من الأول.
من اليوم ده، جوليان ومراته بقوا عبرة للكل، والكل عرف مين هو إيدن ستيرلينغ.. الأخ اللي افتكروه ضعيف، بس علمهم
أدب إن اللي بيتبني على طمع، بيقع على دماغ صاحبه في الآخر.
بعد كام شهر، كانت الحكاية اتقفلت تماماً. جوليان وليلى أخدوا حكم محترم وبقوا بيقضوا عقوبتهم، والناس اللي كانوا بيطبلوا لهم في الحفلة اختفوا وكأن الأرض انشقت وبلعتهم.. محدش فيهم فكر حتى يزورهم أو يسأل عنهم. النخبة المزيفة دي مبتعرفش غير المصلحة.
أنا صحتي رجعت لي أحسن من الأول، والالتهاب الرئوي بقا مجرد ذكرى سودة فكرتني بإن القرابة مش بالدم، القرابة بالمواقف. قصر ستيرلينغ رجع لمكانته وهيبته، بس المرة دي وأنا واقف فيه على رجلي، قوي، وصاحب الملك الحقيقي.
كل يوم الصبح، وأنا بشرب قهوتي في البلكونة الكبيرة وببص على الجنينة، بفتكر ليلى وهي بترمامي بالتلوج وتقولي البيت ده مش للمقاطيع الضعفا، وببتسم.. لأن الضعيف اللي كانوا فاكرين إنهم هيدفنوه حيا، هو اللي قفل عليهم باب الزنزانة بإيده.
الحكاية خلصت، والملك رجع لصحابه، والكل أخد درسه.. إن الطيب مش مغفل، والسكوت مش قلة حيلة، ولما الحوت بيمرض، بيفضل برضه حوت.
مرت سنة كاملة على الليلة دي.
قصر ستيرلينغ رجع تاني زي ما كان؛ هادي، راقي، ومفتوح بس للناس اللي تستاهل. جوليان وليلى خرجوا من السجن بعد ما قضوا عقوبتهم، بس خرجوا للشارع.. معندهمش اسم، ولا فلوس،
ولا حتى أصحاب من النخبة اللي كانوا بيطبلوا ليهم. بقوا بيجروا ورا لقمة العيش بعد ما خسرتهم القضية كل الأصول اللي كانوا يملكوها عشان يدفعوا للمحامين والتعويضات.
في يوم شتوي ساقع، كنت راجع القصر بالعربية، ولمحت جوليان واقف على الرصيف قدام سوبر ماركت قريب، لابس جاكيت قديم ودبلان، والكسرة باينة في عينيه. وقفت العربية وقربت منه، فتحت الازاز وبصيت له.
أول ما شافني، جسمه اتنفض وخاف، وافتكر إني هتهكم عليه أو هسمعه كلمتين سم زي ما مراته عملت معايا. بس أنا دورت العربية، وبصيت له بنظرة هادية جداً، ورميت له من الشباك زجاجة مية مقفولة.. ومخفية وسطها رزمة فلوس تمشيه كام شهر.
مش عشان مسمحه، ولا عشان هنسى الليلة اللي كنت بموت فيها من قلة النفس.. أنا عملت كده عشان أفكره بالفرق بيني وبينه. عشان يعرف إن الأخ الضعيف اللي سابه يعطش، هو نفسه اللي لما بقى فوق، ساب له مية وفلوس تعيشه.
طلعت بالعربية وسبته ورايا في المطر، وبصيت في المراية وشفت القصر بتاعي من بعيد منور ومفتوح. اللعبة انتهت خلاص، والدرس اتكتب بدموعهم.. إنك ممكن تسرق وتظلم وتعيش في دور الفائز كام يوم، بس في الآخر، الأرض مش بتشيل غير أصحابها الحقيقيين.
رجعت القصر، دخلت ورايا الدفى اللي بيملى المكان، وقعدت
في مكتبي قدام اللاب توب. الحكاية بالنسبة لي اتقفلت من زمان، بس الدرس اللي جوليان وليلى أخدوه كان لسة مسمّع في كل مكان.
بعدها بكام أسبوع، جالي اتصال من محامي قديم للعيلة، قالي إن جوليان أخد الفلوس اللي سبتهالك، وبدل ما يصرفها في أي كلام، سافر بيها هو ومراته لمحافظة تانية بعيد تماماً عن القصر وعن عيون الناس اللي كانت بتنافقهم، وبدأوا يشتغلوا في مشروع صغير على قد الحافهم.. بعيد عن المظاهر الكدابة والمنظرة.
ليلى، اللي كانت بتتبرع بالماس والحرير وشانيل، بقت واقفة في دكان صغير بتكافح عشان قرش حلال، وجوليان اللي كان بيجعر في المايك ويقول القصر ده للفائزين، فهم أخيراً إن الفوز الحقيقي مش إنك تسرق تعب غيرك، الفوز هو إنك تقدر تبص لنفسك في المراية من غير ما تحس بالقرف.
أنا من ناحيتي، قررت أغير كل حاجة في القصر؛ شيلت الأثاث القديم اللي بيفكرني بليلة التعب، وفتحت الشبابيك عشان الشمس تدخل وتطرد أي ريحة للماضي. القصر مابقاش مجرد حيطان ميتة، بقى مكان كله حيوية، وفتحت جزء منه كدار رعاية ومستشفى صغير بالمجان للناس اللي بتعاني من أمراض الصدر ومستشفياتهم على قدها.. عشان مفيش حد غلبان يمر باللي أنا مريت بيه، ولا يتحوج لكوباية مية من حد جاحد.
كل ليلة بليل، لما الجو
بيبدأ يسقع، بقف في
تم نسخ الرابط