وانا في دور مرض شديد حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

البلكونة الكبيرة، وببص للسما وأنا بتنفس بعمق.. النفس اللي كان هيضيع مني في ليلة غدر. ببتسم وبحمد ربنا، لأن الأيام بتدور، والظالم بيبتليه الزمن بنفس كأسه، والمظلوم لو صبر، ربنا بيرجعله حقه تالت ومتلت، وبيخليه يقف على رجليه من تاني.. وهو باصص للدنيا من فوق.
وعدت السنين، وبقى المستشفى الصغير اللي فتحته في جزء من أرض القصر واحد من أكبر مراكز علاج الصدر في البلد. القصر اللي كان زمان رمز للطبقية والمنظرة الكدابة والمظاهر اللي مالهاش لازمة، اتقلب وبقى مكان كله بركة ودعاء من قلوب ناس غلابة كانت بتموت من قلة الحيلة، وربنا جعلني سبب في شفاهم.
في يوم، وأنا بمر على العيادات الخارجية كالعادة عشان أطمن على سير الشغل، عيني جت على ست واقفة في طابور صرف الأدوية المجانية. كانت لابسة عباية سودا بسيطة جداً، ووشها دبلان وشعرها مغطيه شال قديم. لفتت نظري لأنها كانت بتكح كحة ناشفة وتقيلة، كحة أنا حافظها كويس.. كحة ليلة الالتهاب الرئوي.

قربت منها ومقصدتش حاجة غير إني أساعد، بس أول ما رفعت عينيها وبصت لي، الزمن وقف بيا ثانية.
كانت ليلى.
عينيها اللي كانت زمان بتطلع شرار وقرف وهي بتبص لي وأنا على السرير، المرة دي كانت مليانة انكسار ورعب وخوف. جسمها كله بدأ يترعش، والروشتة وقعت من إيدها على الأرض. كانت فاكرة إني هطردها، أو هبهدلها قدام الناس وأقول لها فاكرة لما رميتي عليا التلج؟.
وطيت على الأرض بكل هدوء، شيلت الروشتة ونفضت من عليها التراب، وبصيت في عينيها وقلت لها بابتسامة صافية أهلاً بيكي في مستشفى ستيرلينغ يا مدام.. متقلقيش، هنا بنعالج أي حد تعبان، ومبنسيبش مريض يعطش ولا يتوجع.
نديت على الدكتور المسؤول وقلت له الحالة دي تتابعها بنفسك يا دكتور، وتصرف لها أحسن علاج، وتطمن عليها لحد ما تخف تماماً.. على حسابي الخاص.
ليلى دموعها نزلت ومقدرتش تنطق بكلمة واحدة، بس نظرة عينيها كانت فيها كلمة آسفة بأعلى صوت ممكن تسمعه. لفت ضهرها ومشيت وهي بتعيط، بس المرة
دي عياط ندم وتوبة، مش عياط غل.
رجعت لمكتبي، وقفت قدام الشباك الكبير وبصيت على الشمس وهي بتغيب. مفيش إحساس في الدنيا أجمل من إنك تقابل الإساءة بالإحسان وأنت قادر تاخد حقك، لأن الانتقام الحقيقي مش إنك تأذي اللي أذاك.. الانتقام الحقيقي هو إنك تثبت له إنك أنظف وأكبر وأقوى منه بكتير.
أنا إيدن ستيرلينغ، ودي كانت نهاية حكايتي.. النفس رجع، والملك استقر، والقلب صفي، والدنيا دارت وجمعتنا عشان تقول كلمتها الأخيرة الخير هو اللي بيعيش في الآخر.
المستشفى كبرت أكتر، والخير اللي اتزرع في أرض القصر بقا يطرح كل يوم سيرة طيبة ودعاوى من ناس مكانتش لاقية تمن تذكرة كشف. جوليان وليلى مظهرش لهم أي أثر تاني بعد اليوم ده، وكأن الأرض بلعتهم أو اختاروا يكملوا حياتهم في ضل بعيد تماماً عن أي مكان ممكن يجمعهم بيا، بعد ما الدرس الأخير كان تقيل وقاسي على كبريائهم.
أنا بقيت عايش في هدوء تام. صحتي بقت حديد، وكل يوم الصبح بقى طقس أساسي عندي إني
أقف في البلكونة الكبيرة، أخد نفس طويل وغميق من هوا ربنا النضيف، وأفتكر المحنة اللي غيرت مجرى حياتي كلها. عرفت إن الوجع اللي عشته مكانش عقاب، ده كان غربلة عشان ربنا يوريني حقيقة الناس اللي حواليا، ويخرجني من المحنة دي إنسان جديد، بقلب أقوى وإيد ممدودة للخير.
قصر ستيرلينغ مابقاش مجرد حيطان وعقد ملكية مكتوب فيه اسمي؛ بقى رمز لعدالة ربنا اللي مابتغفلش. الحكاية اتقفلت وبقت ورا ضهري، ومبقاش في قلبي أي غل أو زعل من الماضي.. بالعكس، بقيت ببص للمستقبل وأنا كلي رضا.
عشت حياتي سيد في ملكي، محاط بالناس اللي بتحبني بجد وبيدعوا لي من قلبهم، وبقيت كل ما أمر بأي أزمة في الشغل أو في الحياة، أبتسم وأفتكر ليلة لم شمل العيلة المزيفة، وأقول لنفسي اللي نجاني من الموت وقلة النفس وهو لوحده، قادر يعديني من أي حاجة تانية.
القصة خلصت، والستارة نزلت، ومفضلوش في المكان غير صاحبه الحقيقي.. إيدن ستيرلينغ، الراجل اللي اتكتبت له حياة جديدة عشان
يعيشها صح.

تم نسخ الرابط