عايزين ابنها غصب عنها حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

الإزعاج والتهديد.
أمي صرخت في التليفون بوجع أنتِ إيه؟ معندكيش دم؟ دي أختك! وده لحمك ودمك!
رديت عليها وأنا بقلع الكاب العسكري وببص لآدم اللي داخل عليا من باب الشقة وبقُه كله شوكولاتة وبيضحك لحمي ودمي هو اللي واقف قدامي دلوقتي وبيقولي يا ماما.. إنتوا بالنسبالي مجرد قضية قديمة وقفلت ملفها ب إيدي. مع السلامة يا فندم.
قفلت السكة في وشها، وعملت خطوة تانية كنت مأجلاها؛ غيرت رقم تليفوني خالص.
آدم جري عليا وحضن رجلي ماما! الكابتن في التمرين قالي إني هبقى بطل صاعقة زيّك لما أكبر!
شيلته ورفعته لفوق، وبصيت في عينيه القوية اللي شبه عينيا بالظبط. هما زمان كانوا فاكرين إنهم بيكسروني، مكنوش يعرفوا إنهم بيصنعوا أم مفيش قوة على الأرض تقدر تقف في وشها.
حطيت راسي على راسه وقلت له أنت هتبقى أحسن مني يا بطل.. أنت ابن سيادة الرائد.
ومرت الأيام والسنوات زي لمح البصر، ودارت الدنيا دورتها وخلت كل واحد يقف في المكان اللي يستاهله.
النهاردة، واقفة في الصالة الكبرى بمقر القيادة، لابسة بدلي العسكرية الرسمية بكامل أناقتها، والنجوم والنقوش بتلمع على كتافي بعد ما ترقيت لرتبة عقيد. كنت واقفة وظهري مفرود وعيني بتلمع بفخر ملوش حدود وأنا ببص على المنصة الرئيسية.
النهاردة يوم تخرج الدفعة الجديدة من الكلية العسكرية... والنهاردة، الملازم تحت الاختبار آدم واقف وسط طابور العرض، طوله زي الألف، عينه قوية ومفيهاش خوف، ملامحه
نسخة مني ومن جدي الله يرحمه.
وسط زحمة أهالي الخريجين، والزغاريط والفرحة اللي مالية المكان، لمحت ورا السلك الحديدي بتاع بوابة الزوار بره.. وشوش غريبة عليا، بس ملامحها مألوفة.
كانت أمي.. كبرت وعجزت، ضهرها اتقوس ولابسة عباية سمرة قديمة، وواقفة ساندة على سيليست اللي الزمن هدّها، وشها باهت، ومن غير لولي ولا نظارات شمس براند، ولا مظاهر كدابة. كانوا واقفين في أخر الصفوف بين الناس، بيحاولوا يطولوا بنظرهم عشان يشوفوا العز والفخر اللي هما اتحرموا منه بإيديهم.
لمحوني وأنا واقفة في مقصورة كبار القادة والظباط. أمي عينيها جت في عيني، ورفعت إيدها بترعش كأنها بتشاور لي أو بتستعطفني، وسيليست عينيها دمعت وبصت في الأرض بكسرة.
بصيت لهم لثانية واحدة... ثانية واحدة بس، مفيهاش غل، ولا شماتة، ولا حتى عتاب. كانت نظرة برود تام، كأني ببص على اتنين غُرب في الشارع مفيش بيني وبينهم أي معرفة. ودرت وشي عنهم بقمة الثقة.
الموسيقى العسكرية بدأت تعزف، وآدم تقدم بخطوات ثابتة ومنتظمة لحد ما وقف قدام منصة القادة، ضرب تعظيم سلام يهز الأرض، وصوته رجّ المكان وهو بيقول تمام يا فندم!
نزلت من المنصة ووقفت قدامه عشان أعلق له رتبته الجديدة بإيدي. وأنا بحط النجمة على كتفه، عينه جت في عيني وابتسم ابتسامة صغيرة مليانة حب وفخر، وهمس بصوت واطي وموجز عملناها يا سيادة العقيد.. شكراً إنك حميتيني وربيتيني صح.
طبطبت على كتفه، وقلت له
بصوت قوي سمعه كل اللي واقفين مبروك يا سيادة الملازم.. أنت اللي شرفتني، وحققت حلم العمر.
لفيت ضهري وبصيت لبوابة الخروج، لقيت أمي وأختي بيتحركوا في وسط الزحمة ومشيوا وهما بيجروا خيبتهم وراهم، واختفوا تماماً من حياتنا وللأبد.
دي كانت نهاية معركتي اللي بدأتها من أوضة المستشفى وأنا مكسورة وبنزف.. والنهاردة قفلت المحضر، مش بالقلم ولا بالورق، لكن ب راجل واقف زي الأسد بيحمي علم بلده، وبأم رفعت راسها فوق ومحدش قدر يلوي دراعها.
بعد انتهاء حفلة التخرج، أخدت آدم في حضني وسط زمايله وقادته، والكل كان بيبارك لي ويقولي مبروك يا سيادة العقيد، واد بسم الله ما شاء الله، وحش طالع لأمه. في اللحظة دي، حسيت إن كل نقطة عرق، وكل ليلة سهرتها وأنا شايلة هم بكرة، وكل ضغط نفسي عديت بيه... كله هان، وكله اتعوض.
رجعنا بيتنا، وآدم لابس بدلته الميري الجديدة، حط الكاب بتاعه على السفرة وجاء قعد جنبي، ومسك إيدي وقال بجدية ممزوجة بحنية أنا شوفتهم يا ماما.. شوفت جدتي وخالتي سيليست برة البوابة.
قلبي متهزش، وبصيت له بهدوء وقلت وشعرت بإيه يا آدم؟
رد عليا وعينه فيها نضج ورجولة أكبر من سنه مشفتش فيهم أهلي.. شوفت فيهم درس وعبرة. شوفت ناس ضيعوا كل حاجة عشان الطمع، وشوفتك أنتِ وأنتِ بتبني كل حاجة من الصفر بالشرف والقوة. أنا مش زعلان منهم يا ماما، أنا لولا اللي عملوه زمان، مكنتش هبقى الراجل اللي واقف قدامك النهاردة.
ابتسمت ودموعي
غلبتني لأول مرة من سنين، بس المرة دي دموع فرحة وفخر. ابني مطلعش بس ظابط شاطر، ده طلع راجل بيفهم وعقله يوزن بلد.
تاني يوم الصبح، وأنا بجهز نفسي عشان أروح مَكتبي في القيادة، تليفوني رن... المرة دي كان رقم المحامي القديم بتاعهم.
رديت أفندم؟
المحامي صوته كان هادي ومليان أسف سيادة العقيد مارا.. البقاء لله، والدتك اتوفت الفجر في المستشفى بعد صراع مع المرض، وأختك سيليست طلبت مني أبلغك.. ومش طالبة منك أي حاجة غير إنك تسامحيها، ومش عايزة تسبب لك أي إزعاج.
سكتت لثواني... شريط العمر كله عدا قدام عيني في لحظة. افتكرت يوم ما دخلت عليا الأوضة وهي ماسكة الدوسيه، وافتكرت قسوتها وتهديدها ليّا بإنها تنهي مستقبلي.
قلت للمحامي بنبرة هادية بس حاسمة الله يرحمها ويحسن إليها.. الإجراءات القانونية والمصاريف لو محتاجين فيها حاجة أنا هتكفل بيها فوراً إنسانياًَ، لكن
أنا مش هاجي، ومفيش بيني وبين سيليست أي كلام. الموضوع انتهى من 23 سنة يا فندم.. قفلنا المحضر وخلاص.
قفلت السكة، وبصيت من الشباك على الشمس وهي طالعة بتنور الدنيا.
آدم دخل عليا الأوضة، مجهز نفسه ولابس لبسه العسكري وواقف مستنيني عشان ننزل سوا.
بصيت له وقلت يلا يا سيادة الملازم.. وراك خدمة.
ابتسم وضرب لي تعظيم سلام تمام يا فندم.. وتحيا مصر.
خرجنا وقفلنا الباب ورا ليفل جديد من حياتنا.. ليفل مفيهاش غير النصر، والفخر، والأمان اللي صنعناه بإيدينا، ومفيش
قوة على الأرض هتهزه تاني أبداً.

تم نسخ الرابط