محاولة إستيلاء حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

نفسية عمري ما دوقتها في حياتي. المكان اللي كان من سنة عبارة عن مسرح ل مؤامرة قذرة، النهاردة بقى مليان حب وفرحة.
وسط الحفلة، الأستاذ مراد قرب مني وقال وشايل علبة قطيفة صغيرة كل سنة ويوسف بيه طيب.. ودي هدية بسيطة من جده مراد.
فتحتها لقيتها سلسلة فضة رقيقة محفور عليها اسم يوسف. شكرته من كل قلبي، فمال عليا ووطى صوته وقال على فكرة.. شريف قدم التماس إعادة نظر في الحكم الأسبوع اللي فات.. واتفض برفض قاطع. المحامي بتاعه كلمني وبيقول إنه اتهد تماماً جوة، وأمه كل شوية تتنقل مستشفى السجن من الضغط. بيترجوا أي تسوية.
بصيت للأستاذ مراد وابتسمت بثقة التسوية الوحيدة اللي بيني وبينهم يا أستاذ مراد.. هي إن القانون ياخد مجراه للآخر. أنا نسيت الأشكال دي من يوم ما خرجت من باب المستشفى وابني في حضني.
هز دماغه وبصلي باحترام بنت أبو باشا صحيح.. ربنا يحميكي.
بالليل، بعد ما الحفلة خلصت والناس مشيت، والبيت رجع لهدوءه الجميل. دخلت أوضة يوسف، نيمته في سريره، وغطيته وبست راسه وهو رايح في النوم.

طلعت وقفت في البلكونة الكبيرة بتاعة الأوضة، وبصيت على أرض العزبة الواسعة والشجر اللي كان أبويا زارعه بإيده.
افتكرت اللحظة اللي كنت فيها لوحدي على الأرض، عاجزة ومكسورة والكلاب بتنهش فيا. واكتشفت إن الضربة اللي متموتش بتقوي.. وأنا ضربتي خلتني أنشف، وأعرف أقف على أرض صلبة، وأحمي ابني ومستقبله.
شريف وأمه كانوا فاكرين إنهم أذكياء، بس طمعهم هو اللي عماهم ووداهم في داهية. أما أنا.. فبديت حياتي الجديدة من الصفر، بقلب نضيف، ومن غير أي خوف.
قفلت باب البلكونة، وطفيت النور، ودخلت عشان أنام وأنا مطمنة.. لأن الحكاية مش بس خلصت، دي اتقفلت بالضبة والمفتاح، ومستقبلنا أنا وابني لسه بيبدأ.
مرت خمس سنين كاملة.
النهاردة أول يوم ليوسف في المدرسة. كنت واقفة قدام باب الفيلا بظبط له لبسه ومريلة المدرسة والكاب بتاعه، وهو عمال يتنطط من الفرحة وماسك الشنطة على ضهره ومستني باص المدرسة يوصل.
بصيت في وشه، لقيت فيه ملامح من جده أبو باشا الله يرحمهنفس العينين الواسعة الحمشة، ونفس الضحكة الصافية
اللي بتنور الوش. مفيش فيه أي حاجة من ريحة شريف، وكأن ربنا حب يطهر نسلي من سلالة الخائنين.
الباص وصل، يوسف باسني من خدي وجري وهو بيشاور لي باي يا مامي! هتوحشيني!
وقفت ألوّح له بإيدي والدموع في عيني، بس المرة دي دموع فرحة وفخر بإن الشجرة اللي حاولوا يقطعوها، طرحت وجابت أحلى ثمر.
وأنا راجعة داخلة الصالة، تليفوني رن. كان رقم أرضي غريب، رديت بتلقائية ألو، السلام عليكم.
جالي صوت من الناحية التانية.. صوت مبحوح، تعبان، ومكسور لدرجة إني م عرفتوش في الأول ألو.. يا بنة الأصول.. اسمعيني أرجوكي.
جسمي قشعر لثانية.. ده صوت شريف!
كان بيتكلم من التليفون العمومي بتاع السجن، صوته مكنش فيه نقطة واحدة من الجبروت والبرود بتاع زمان. كمل وهو بينهج ودموعه باينة في نبرته أنا خلاص.. فاضلي شهور وأخرج بنصف المدة لحسن السير والسلوك.. بس أنا طالع مش لاقي لقمة آكلها، وأمي ماتت في مستشفى السجن من سنتين وهي بتدعي عليا إني ضيعتها.. أنا مش طالب فلوس ولا ممتلكات، أنا بس عايز أشوف ابني.. عايز يوسف يسامحني.
. أرجوكي يا...
قبل ما يكمل الكلمة، وقبل ما ينطق اسمي حتى على لسانه، سحبت التليفون من على ودني بكل برود ودست على زرار القفل.
قعدت على الكرسي وأنا حاطة رجل على رجل، ومحستش حتى بنبضة قلب واحدة زيادة. مكرهتوش، ومفرحتش فيه.. أنا ببساطة محستش بأي حاجة، لأن شريف والمحلاوية كلهم بالنسبة لي بقوا مجرد صفحة سودة في كتاب قديم، وأنا قفلت الكتاب ده ورميته في النار من زمان.
شريف هيخرج من السجن يلاقي نفسه في سجن أكبر.. سجن الفقر، والندم، والفضيحة، والوحدة. أما أنا.. فالعزبة كبرت، والشركات مبيعاتها تضاعفت، والأستاذ مراد لسه جمبي زي الأب وبيدير معايا كل حاجة بحكمة وأمانة.
فتحت لابتوبي وبدأت أتابع شغل الشركات بتاعة أبويا وأنا بشرب قهوتي الصبحية في هدوء.
الدنيا دي تدور تدور، وتجيب العالي واطي، والمظلوم ترفعه لسابع سما والظالم تخسف بيه الأرض. المصيدة اللي بدأت الساعة 213 الفجر من خمس سنين، النهاردة اتقفلت لآخر مرة.. ومبقاش ليها أي وجود غير في ذكرى بعيدة، بتفكرني دايماً إني قوية، وإني
عمري ما هقع تاني.

تم نسخ الرابط