باع سرير البيبي حكايات صافي هاني
وشرارة الذكاء في عينيها بتفكرني بنفسي، سألتني وهي بتبص لصورة أبويا الله يرحمه وللسرير اللي لسه محتفظين بيه كأنه قطعة آثار مامي.. هو أنا ليه معنديش تيتة وجدو وعمام زي باقي أصحابي؟
نزلت لمستواها، أخدتها في حضني وقولتلها أنتِ عندك جدو حبيبي اللي في الصورة ده، سابلك السرير ده عشان يحميكي ويشيلك وأنتِ لسه حتة لحمة حمرا.. أما الباقيين، فالدنيا لفت بيهم وخرجوا من حياتنا عشان ربنا بيحبنا وعايزنا نعيش في هدوء وأمان.
اقتنعت بكلامي وبستني وضمتني بقوة. في اللحظة دي اتأكدت إن النبتة اللي زرعتها بدمي وعذابي طلعت صالحة ونقية، ومفيش أي حقد أو سواد لمس قلبها.
وفي يوم، وأنا في مكتبي بشركتي الجديدة، دخلت السكرتيرة وبتقولي يا فندم، في واحد برا شكله مبهدل جداً وتعبان، ومصمم يقابل حضرتك.. بيقول إنه قريب من ريحة الماضي.
عرفت هو مين من غير ما تنطق اسمه. قولت لها دخليه.
دخل إيفان.. أو بقايا إيفان. كان خاسس النص، ضهره محني، وشعره كله شاب، ولابس هدوم قديمة ومقطعة. وقف قدام مكتبي الفخم وهو بيبص حواليه بذهول وصدمة، مش مصدق إن البنت الهادية اللي كان بيمشي كلمته عليها بقت هي صاحبة المكان ده كله.
بصلي وعيونه مليانة دموع وندم، وقال بصوت حشرج ميا.. أنا مش جاي أطلب فلوس، ولا جاي أطلب
فضلت قاعدة مكاني، حاطة رجل على رجل، وببص له بنظرة خالية من أي تشفي أو شماتة.. كانت نظرة غريب بيشوف غريب.
قولتله ببرود وجاي تقولي أنا ليه يا إيفان؟
وقع على ركبه قدام المكتب وبكى بحرقة عشان تسامحيني.. مش قادر أعيش واللعنة دي محوطاني.. أمي ماتت وهي بتدعي عليا في السجن وتقولي أنت السبب، وأختي بتكرهني.. أنا خسرت دنيتي وأخرتي.. سامحيني عشان أموت مرتاح.
وقفت بكل ثقة، وقربت من الشباك وبصيت على الشمس اللي منورة المكان، وقولتله وأنا مدية له ضهري المسامحة دي للقلوب اللي لسه بتفتكر.. أنا نسيتكم يا إيفان. نسيت ملامحكم، ونسيت غدركم. الوجع اللي سببتوه ليا اتحول لطاقة بنت الإمبراطورية اللي أنت واقف فيها دي.. روح عيش اللي باقي من عمرك مع ذنبك، لأن ده العقاب العادل اللي الأرض شهدت عليه والسموات استجابت ليه.
شاورت للأمن، دخلوا وسحبوه برا المكتب وهو بيبكي ويصرخ ويطلب العفو.. بس العفو مبيجيش للناس اللي استقوت على واحدة في أضعف حالاتها وهي بتولد.
رجعت لبيتي بالليل، فتحت أوضة أمل ولقيتها نايمة زي الملاك. قعدت على طرف السرير الخشب، مشيت إيدي على
قفلت الستارة، وبصيت لنفسي في المراية وابتسمت.. الحكاية مش حكاية سرير اتسرق، الحكاية حكاية ست قررت متكونش ضحية، وكتبت نهايتها بإيديها.. نهاية كلها قوة، وكرامة، ونجاح.
ومع كل نجاح جديد، كانت الأيام بتعدي وأمل بتكبر قدام عيني، وبقت في مرحلة المراهقة. دخلت ثانوي، وبقت بنت زي الورد، مالي القوة والثقة عينيها، وناجحة في دراستها وفي رياضتها. طول السنين دي، مكنتش بخبي عنها حاجة، حكيت لها الحكاية كاملة لما كبرت وفهمت، عشان تعرف إن كرامة الست خط أحمر، وإن شقا جدها وصمود أمها هما اللي عملوا منها البنت القوية اللي واقفة النهاردة.
في يوم، كنا بنحتفل بتخرج أمل من الثانوية العامة وجايبة مجموع يدخلها الكلية اللي بتحلم بيها. البيت كان مليان ضحك وورد، وأنا باصة ليها وفخورة إن تعب السنين مش رخيص. وسط الفرحة دي، جالي إشعار على تليفوني من محامي العيلة القديم.
فتحت الرسالة، لقيت المحامي كاتب لي البقاء لله يا مدام ميا.. إيفان اتوفى النهاردة الصبح في مستشفى حكومي بعد صراع مع المرض، ومكنش معاه حد خالص.. وبصفتي كنت محامي العيلة، المستشفى بلغتني عشان مفيش أي قرايب يسألوا عليه، وأخته رفضت تستلم الجثة.
المحامي كمل كلامه
بصيت للرسالة وأنا حاطة إيدي على قلبي. محستش بفرحة، ولا شمت، ولا بكيت. حسيت بس بنوع من السلام.. السلام اللي بيجي لما الدايرة تقفل تماماً، ولما العدالة الإلهية تاخد مجراها لآخر حتة. الراجل اللي استقوى عليا وأنا عاجزة، مات وحيد ومفيش حد راضي حتى يدفنه.
أمل خدت بالها إن ملامحي اتغيرت، قربت مني وحطت إيدها على كتفي وقالت لي في حاجة يا مامي؟
قفلت التليفون وابتسمت لها وبست إيدها وقولت مفيش يا قلب مامي.. صفحة قديمة في كتاب حياتنا واتقفلت ودافنها التراب للآبد.. النهاردة يومك أنتِ وبس.
أمل ابتسمت وبصت لسرير جدها اللي لسه محتفظين بيه في أوضة الضيوف كرمز للصمود، وقالت لي عارفة يا مامي.. أنا هسيب السرير ده دايماً في بيتي، وعمري ما هفرط فيه.. عشان لما يجيلي أولاد، أحكيلهم إن السرير ده هو اللي علّمني إزاي أكون بنت ميا، وإزاي الست تقدر تبني حياتها من تحت الصفر وتخلي كل اللي ظلموها يندموا.
حضنتها بكل قوتي، وكنت حاسة بروح أبويا الله يرحمه حامت حوالينا وراضية عننا. الحكاية خلصت، والنهاية مكنتش مجرد نصر، كانت حياة جديدة مليانة كرامة ونور، ومفيش
فيها