الصنايعي المفلس حكايات صافي هاني
المحتويات
في عز التلج وليلة رأس السنة وهي عندها 16 سنة؟ هل أهلك هما اللي عموا عينيكي وقلبكي عنها؟
كلير أنا غلطت.. والله غلطت. بس ال 47 واحد دول هيتشردوا، أبويا عليه ديون، وإخواتي بيوتهم هتقفل!
أنا دي مشكلتكم مش مشكلتي. إنتي رميتي ورق الطلاق في وشي بكل فخر قدامهم، وأنا مضيته. المحامي بتاعي هيتواصل مع المحامي بتاعك عشان يخلص الإجراءات القانونية. وال 47 واحد دول اتفصلوا لأنهم مكنوش كفاءة، كانوا مجرد عالة على شركتي.. ودلوقتي، برة يا كلير.
أشرت للأمن، وطلعوها برة المكتب وهي بتصرخ وتعيط.
بداية جديدة.. والحياة بتدور
مرت شهور على الواقعة دي. عيلة كولينز اتقلبت حياتهم رأس على عقب. مارتن اضطر يبيع بيته الكبير عشان يسدد الديون اللي تراكمت عليه بعد ما اتسحبت منه المزايا والمرتب الخيالي. إخوات كلير اضطروا يشتغلوا في وظائف بمرتبات أقل من الربع في شركات تانية، ودوقوا لأول مرة طعم التعب والشقا اللي كانوا بيتريقوا عليا بسببه.
أما كلير، فندمها مكنش هيفيدها بحاجة. بقت تعيش في شقة صغ
يرة وبقيت أدفع لها بس النفقة القانونية اللي حكم بيها القاضي، من غير أي مليم زيادة.
في المقابل، حياتي أنا وصوفي اتغيرت تماماً.
نقلنا لبيت جديد، بيت ملوش علاقة بالماضي الكئيب ده. صوفي بدأت تثق في نفسها أكتر، وبقت تروح مدرستها وهي رافعة راسها، فخورة بأبوها اللي مش بس نجح في البيزنس وبنى ثروة ب 16 9 مليون دولار، لا.. فخورة بأبوها اللي عرف يحميها ويجيب لها حقها في اللحظة اللي الدنيا كلها قست عليها.
الدنيا دوارة.. والمظاهر عمرها ما كانت بتصنع راجل. العدة والبنطلون الجينز المتبهدل اللي كانوا بيضحكوا عليهم، هما نفسهم اللي بنوا الإمبراطورية اللي هدّت كبريائهم المزيف في ليلة واحدة.
بعد سنة
وسط الزحمة والمباركات، لقيت مدير الأمن بيقرب مني ويهمس في ودني
مستر ويتيكر.. في واحد برا واقف عند البوابة، بقاله ساعتين بيحاول يدخل وعايز يقابلك ضروري. بيقول إنه حماك القديم، مارتن كولينز.
بصيت لصوفي، لقيتها هزت راسها وابتسمت ثقة، كأنها بتقولي أنا مبقتش أخاف يا بابا، وريهم إحنا مين.
شاورت لمدير الأمن وقلتله دخله مكتبي.
المواجهة الأخيرة مع كبير العيلة
دخلت المكتب بعد كام دقيقة، ولقيت مارتن قاعد على الكرسي. الراجل اللي كان من سنة بيلبس أغلى الساعات وبيتمنظر على خلق الله، كان قاعد قدامي بقميص مكرمش، وشكله عجز عشر سنين قدام. كبريائه المزيف اتمسح تماماً.
أول ما شافني، وقف بسرعة وبص في الأرض وقال بصوت مرعوب ومكسور
مارتن دانيال.. أنا عارف إن ماليش عين أبص في وشك، ولا في وش صوفي. بس أنا جاي وجايب معايا اللي باقي من كرامتي عشان أطلب منك طلب واحد.. اعتبره رجاء من راجل عجوز بيغرق.
قعدت ورا مكتبي بكل هدوء وسألته عايز إيه يا مارتن؟
مارتن وعينيه مدمعة البيت الكبير هيتباع في المزاد الأسبوع الجاي بسبب الديون.. وإخوات كلير مش لاقيين شغل يصرفوا بيه على عيالهم بعد ما اسمهم اتعلم عليه في السوق إنهم اتطردوا من عندك. كلير عايشة على المهدئات وندمانة كل ثانية.. أرجوك يا دانيال، رجّع بس إخواتها الشغل، لو حتى عمال باليومية في المواقع، تحت إيد أي صنايعي.. إحنا
بصيتله لثواني، وكنت فاكر إني هحس بالشماتة، بس الحقيقة إني حسيت بالشفقة على الرخص اللي وصلوا ليه بسبب غرورهم.
أنا عارف يا مارتن.. زمان لما كنت باجي بيتكم ببنطلون الجينز المتبهدل وجزمة الشغل، كنت ببقى راجع من موقع تعبت فيه وشقيت عشان أبني الشركة دي. كنت بتعامل معاكم بأصل ونضافة قلب، وكنت قادر أشتري بيتك ده وأهدّه وأبنيه من جديد بفلوس صفقة واحدة.. بس أنا اخترت أشتري خاطر بنتي ومراتي. إنتوا اللي اختارتوا المظاهر، واختارتوا تظلموا بنت يتيمة ملهاش ذنب.
مارتن نزل راسه وبدأ يبكي بصوت مكتوم.
أنا تابعت بصرامة بخصوص الشغل.. شركتي مفيهاش مكان للمحسوبية تاني. اللي عايز يشتغل يقدم على الموقع زي أي حد، ولو السيستم وافق عليه بناءً على كفاءته اللي أنا أشك إنها موجودة هيشتغل، وبشروط الشركة. أما البيت.. فالمحامي بتاعي هيشتريه من المزاد.
مارتن رفع راسه بصدمة هتشريه؟ هتعيش فيه؟
أنا بتسمت لأ، هبني مكانه مجمع سكني ومكتب جديد لشركتنا.. عشان كل ما تعدوا من الشارع ده، تفتكروا إن المكان اللي طردتوا منه بنتي في البرد، بقى ملك الصنايعي الفاشل اللي صغرتوا بيه.
نهاية الحكاية
خرج مارتن من مكتبي وهو بيجر أذيال الخيبة، وعارف إن الصفحة دي اتقفلت للأبد، وإن عيلة كولينز انتهت ك عيلة راقية ورجعت لحجمها الطبيعي.
رجعت للحفلة، وأخدت صوفي في حضني وسط تصفيق كل الموظفين والعمال اللي بيحبوني بجد وبيحترموا تعبي. وبصيت للسما وقلت لنفسي الحمد لله.. الحق فلوسه كاش، والدنيا دوارة، واللي يجي على دموع طفل.. لازم يدفع التمن غالي.
بعد مرور تلات سنين كاملين على اليوم ده، كنت قاعد في الطيارة الخاصة بتاعة الشركة وأنا باصص من الشباك على السحاب. كنا طيارتنا متجهة لولاية نيويورك عشان
صوفي مبقتش البنت الخجولة المرعوبة اللي بتعيط في البرد؛ بقت شابة واثقة من نفسها، ذكية، وبتتكلم بلغة الأرقام والبيزنس. بصتلي وابتسمت وقالت بابا، أنا لسه مش مصدقة إننا قفلنا الصفحة القديمة دي تماماً.. بس ساعات بسأل نفسي، هما لسه بيفتكرونا؟
طبطبت على إيدها وقلت لها الناس اللي زي دول يا صوفي مبيفتكروش غير الندم.. والندم بياكل فيهم كل يوم.
زيارة غير متوقعة ل أرض المعركة القديمة
قبل سفرنا لنيويورك بكام يوم، اضطريت أعدي بالعربية على المنطقة القديمة اللي كان فيها بيت مارتن كولينز. البيت الكبير اللي اترمى فيه ورق الطلاق اتهد فعلاً، ومكانه دلوقتي كان واقف مبنى إداري ضخم يحمل يافطة مضيئة مكتوب عليها بخط عريض مجموعة ويتيكر الدولية.
وأنا واقف بعربيتي الجيب ببص على المبنى، لمحت ست واقفة على الرصيف اللي قباله. كانت لاسة هدوم بسيطة جداً، وشايلة أكياس طلبات وبان عليها التعب والسن بشكل مش طبيعي.
كانت كلير.
لما حودت عينيها وشافت عربيتي، وقفت مكانها كأنها اتسمرت. عرفتني فوراً. ملامحها اتغيرت من الصدمة، ونزلت راسها في الأرض وبدأت تمشي بسرعة وكأنها بتهرب من خيالها. عرفت بعد كده من السوق إنها اشتغلت كاشيرة في سوبر ماركت صغير عشان تقدر تصرف على نفسها، بعد ما أبوها مارتن أعلن إفلاسه التام ومبقاش حيلته غير معاش حكومي بسيط بالكاد بيكفيهم إيجار شقة أوضتين.
أما إخواتها، فمحدش منهم قدر يرجع يشتغل في المقاولات تاني لأن سمعتهم ك مطرودين لأسباب إدارية من أكبر شركة في الولاية خليتهم بلا قيمة في نظر أي مقاول تاني، واضطروا يشتغلوا عمال تراحيل باليومية.. نفس الشغلانة اللي
متابعة القراءة