بائعة المجوهرت حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

صندوق صغير خشبي محطوط قدام الباب. الصندوق مكنش فيه فلوس ولا مجوهرات، كان بيبقى فيه لعبة خشبية جديدة ل إيلي مصنوعة بالإيد، ومعاها ورقة صغيرة مكتوب فيها نفس الجملة كل مرة أنا لسه هنا، ومستعد أستنى العمر كله.
بريستون نفذ وعده؛ ساب قصر عيلته، واتنازل عن منصبه في الشركات، واشترى شقة صغيرة في نفس الحي، وبدأ يشتغل من الصفر كمستشار مالي مستقر. مكنش بيحاول يقتحم حياتهم بالقوة، ولا بيظهر لمارا في المحل عشان ما يضايقهاش، بس كان دايماً موجود من بعيد.. بيراقبها وهي بتوصل إيلي الحضانة، وبيطمن عليهم من آخر الشارع.
في يوم من الأيام، الدنيا مطرت فجأة بغزارة، وإيلي تعب وسخن جداً وهو في المحل. مارا كانت واقفة على الرصيف برة ومتبتة في ابنها وبتحاول تطلب تاكسي، بس الشوارع كانت واقفة ومفيش ولا عربية راضية تقف. شافت ابنها وهو بيرتعش بين إيديها ودموعها نزلت من قلة الحيلة.
وفجأة، وقفت عربية قديمة وبسيطة قدامها، والباب اتفتح.. وكان بريستون.
نزع جاكيته بسرعة وحطه فوق إيلي عشان يحميه من المطر وقال بصوت كله خوف ولهفة مارا، اركبي أرجوكي.. الولد سيعب أكتر، سيبك مني دلوقتي وفكري فيه!
مارا بصت ل إيلي اللي وشه كان أحمر وسخن، ولأول مرة من أربع سنين، كبرياؤها اتهزم قدام أمومتها. ركبت في الكنبة اللي ورا طول الطريق
للمستشفى، بريستون مكنش بيبص لها في المراية عشان ما يحرجهاش، كان كل تركيزه في الطريق وهو سايق بأقصى سرعة وعينيه مليانة قلق حقيقي.
أول ما وصلوا المستشفى، بريستون شال الولد وجري بيه على الطوارئ، وفضل واقف مع مارا خطوة بخطوة، بيخلص الأوراق، ويجيب الدوا، ويطمن الدكاترة. م سابهاش ثانية واحدة، بس في نفس الوقت م فرضش نفسه عليها، كان واقف زي الضهر اللي بتسند عليه من غير ما يحسسها بالتهديد.
بعد كام ساعة، إيلي بدأ يفوق والحرارة نزلت، ونام في سرير المستشفى وهو هادي. مارا كانت قاعدة على الكرسي جنبه، وتعبانة جداً. بريستون قرب بالراحة وحط كوباية شاي دافية قدامها، ووقف بعيد وقال بصوت واطي الدكتور قال إنه بقى كويس وتقدروا تخرجوا الصبح.. أنا هطمن عليكم من برة الأوضة، ولو احتجتي أي حاجة أنا موجود.
لف وشها عشان يمشي، بس مارا بصت لضهره، ولأول مرة حست إن الوجع والغل اللي في قلبها بدأوا يدوبوا ويحل محلهم تعب وإرهاق من كتر المحاربة لوحدها.
نطقت اسمه لأول مرة من سنين وقالت بصوت هادي بريستون.
هو اتسمر في مكانه، ولف وشها ببطء وكأنه مش مصدق إنها نادته.
مارا بصت لابنها النايم وبعدين بصت لبريستون وقالت أنا مش هنسى اللي فات، والشرخ اللي بيننا مش هيتصلح في يوم وليلة.. بس إيلي محتاج لأب.. وأنت أثبت إنك مش عايز
تهرب المرة دي.
دموع بريستون نزلت، بس المرة دي كانت دموع أمل. قرب خطوة واحدة وهز راسه وقال مش عايز غير إني أكون تحت رجليكم.. ومش هطلب أكتر من اللي تسمحي بيه.
مارا خدت نفس طويل ولفت وشها لابنها، وهي عارفة إن الطريق لسه طويل وصعب، بس لأول مرة من أربع سنين.. حست إنها مش هتمشيه لوحدها.
مرت سنتين كمان، وبقى عمر إيلي ست سنين. السنتين دول مكنوش سحر ولا الأمور رجعت فيهم سمنة على عسل في يوم وليلة، بس كانوا سنتين من بنى الثقة خطوة بخطوة.
بريستون مكنش بيفوت يوم من غير ما يكون موجود في حياة ابنه. بقى هو اللي بيوديه تمرين الكورة، ويقعد معاه بالساعات يشرح له كواكب المجموعية الشمسية اللي إيلي بيحبها. ومارا كانت واقفة بتراقب من بعيد.. بتشوف الراجل اللي كان زمان بيهرب من خياله، وهو دلوقتي بيسيب اجتماعات شغله الجديد عشان يلحق ميعاد نوم ابنه.
وفي يوم من أيام الصيف، المحل كان هادي والشمس منورة المكان. إيلي كان قاعد على مكتبه الصغير في ركن الورشة بيرسم، ودخل بريستون وهو شايل علبة قطيفة صغيرة في إيده.
مارا رفعت عينها من على الشغل وبصت له برغبة في الفهم إيه ده يا بريستون؟
بريستون حط العلبة على الفاترينة الإزاز، نفس المكان اللي وقفوا عنده من سنين والصدمة جمعتهم. فتح العلبة، وكان جواها خاتم النجم.. التصميم
القديم اللي مارا كانت رفضت تبيعه لخطيبته زمان وتحدته بيه.
بريستون بص في عينيها وقال بنبرة هادية وكلها يقين الخاتم ده أنا اشتريته من المحل هنا باسم مستعار من سنة.. وفضلت عاينه معايا لغاية ما أكون استحق أقدمهولك. أنا مش جاي أطلب منك نرجع للماضي، أنا جاي أطلب منك نبدأ المستقبل.. تتجوزيني يا مارا؟ ونبقى عيلة بجد قدام الدنيا كلها؟
مارا بصت للخاتم، واقتربت ببطء. شافت فص الألماظ وهو بيلمع تحت نور الشمس، واقتربت أكتر وبصت لبريستون.. ملمح الشاب المستهتر الغني اختفى تماماً، وبقى قدامها راجل نضج بالوجع، وأب مستعد يهد الدنيا عشان ابنه وعشانها.
إيلي خرج من الورشة وجرى على بريستون، وهو بيضحك بابا! بص أنا رسمت الصاروخ الجديد!
بريستون شال ابنه وباسه، وعينه لسه منزلتش من على مارا، مستني كلمتها.
مارا ابتسمت، ابتسامة صافية مفيهاش أي غل ولا وجع قديم، ومدت إيدها لبريستون وقالت بصوت مليان راحة أنا موافقة يا بريستون.. عشان إحنا بقينا عيلة من زمان أصلاً، بس كان لازم الطريق يلف بينا عشان نعرف قيمة بعض.
بريستون لبّسها الخاتم،،
وصوت ضحك إيلي ملى المكان.. الباب بتاع إيليس آند إمبير مكنش مجرد باب لمحل مجوهرات، كان الباب اللي دخلوا منه للحياة التانية اللي يستحقوها.. حياة مبنية على الصدق، والمسؤولية، والحب اللي
مبيكسرهوش أي غياب.
تمت

تم نسخ الرابط